من «المجموع اللفيف» للأفطسي (ت بعد ٥١٥هـ)
ذكريات حاج
حدثني غير واحد من حاج خراسان، منهم أبو بكر الفقيه النيسابوري،
عن رجل من مياسيرهم، أنه حجب ثلاث دفعات، ما فيهن واحدة إلا وقد أجهد فيها نفسه، وأنفق ماله، وأما إحداهن فانه نزل لبعض أمره بعقبة إبليس، وللناس وجيف في المصعد، فانما هي أيام معدودة يخشى فوتها، فما ملك نفسه نعاسا حتى ثوّروا، واحتاج أن يعود إلى الكوفة بعد اللتيّا والتي.
وأما الثانية: فانه بلغ ذات عرق فمرض بها وأقام، فما ضحّى الناس حتى عاد كالظليم، ورجع وقد فاته الحجّ.
وأما الثالثة: فانّ طيّئا عرضت بالهبير بحاج خراسان، فما قطع إلا قطاره دون الخلق، وسار الناس، وبقي في تلك الحال تائها، فأقول: ما جربت ما جربت من بركات العترة الطاهرة من آل محمد ﵇ وعليهم، الذين هم سرج الدين اللائحة، وطرق النجاة الواضحة، ومنار الحق، ومظان الوحي، والحجّة في الأرض، والشفعاء يوم العرض، كنت بالزي بعد مضي شاهنشاه، وأنا مترجّح تائه من أشغال لا آمن غوائلها، وأعمال لا أحمد عواقبها، وحجّ قد جدّ جدّه، ولا يؤذن لي فيه، فلجأت إلى المشهد، مشهد الشريف عبد العظيم ﵀، ظهيرة يوم
الجمعة، وركعت ركعات، وتشفّعت بذلك الجدث المطهّر، وأكثرت التضرّع في سجودي، وعدت إلى داري لا أعقل ما أطأ وجوما وحيرة، وأعدت الاستئذان والناس لي غالب، وكلّ في الإلحاح عليّ عاتب، فوالذي شقّهنّ خمسا من واحدة، ما كان بأسرع وأوحى من أن أتاني الإذن مهنّئا، والمال معجّلا، والكتب مؤكّدة، وسأذكر في هذا الباب ما ليس منه بسبب:
كنت في النصف من شعبان سنة إحدى وسبعين في الاعتقال العضدي الصعب بمدينة السلام، على أقوى درجات اليأس، وكانت طائفة من أصحابنا الشيعة تغشاني، وأنا باك لفوت الزيارة، لاه عمّا فجأني من البشارة، لا أطمع غير الذّماء، ولا أرجو سوى البقاء، فكلّ أشار بأن أصلي ركعتين وأقوم كأني سائر زائر، وأخطو خطوات، فاذا ردني الموكلون من الباب قلت: اللهم إنك ترى، وتكون القصة إلى الشهيد بكربلاء ﵇، مكتوبة تحمّلها من يزور عني، ففعلت ذلك، فوالله ما وصلت حتى أتاني البشير برفع القيد، فجذبني من كنت على حبل ذراعه من ولاة الأمر، إنهم أمروا بذلك فجأة من غير ذكر تقدّم، وبغتة من غير خلق تكلم.
وكنت دخلت الزيّ في آخر سنة خمس وستين، فاستقبلني بعض أشراف العلويين، فسألته عن أحمد بن محمد بن بندار، وكان لي دون أبي صديقا، فقال: وقيذ من ضربة أمير المؤمنين صلوات الله عليه، فما زادني في قوله على التعجب مرة والتكذيب أخرى، ودخلت يوم ذاك وقد قضى أبو العباس نحبه، وطالت على الأيام،
حتى أتيت الشريف أبا محمد بالدينور فأخبرته، وكان المرء لا يمين في القول، ولا يدين إلا بالحق، فقال: سهرنا ذات ليلة في مجلس الأستاذ ذي الكفايتين وأبو العباس حاضر، وجرت مسألة في الإمامة تنازعها الأقوام، وطال فيها الخصام، إلا أن أبا العباس دون الجماعة تقلد المناصبة وأعلن الخلاف، رافعا عقيرته بالتشغيب منهم، ومظهرا شكيمته في التعصّب عليهم، وتقوّض الليل وانفضت الجماعة، وقمنا معاشر أل أبي طالب، وكلّ منه مغتاظ، وعليه محنق، فجمعتنا الدار من غد للعادة، وقد حضر الطعام، وأحمد في جملة الأدباء منتظر، فعاد داعيه بهذه الرقعة، وعرضها عليّ، وأنا قرأتها بخطه الذي أعرفه إليّ، وهو اليوم محتفظ عند القوم بالدينور، وهذا ما أحضر الذكر منها، عدنا عن مجلس مولانا البارحة، وقد اشتدت شكيمتي على الجماعة الحاضرة من آل أبي طالب ﵈، عند المسألة التي جرت في الإمامة، واضطجعت مهموما، فاذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، قد هجم عليّ آخذا بعضادتي الباب، متقلدا سيفين؛ قضيبا وصمصامة، وصرخ بي متلظيا: يا أحمد، ما بالي وبالك، ما أردت من ولدي البارحة، فكأني كنت ألجأ إلى الأستاذ وأتعلق
بثوبه، مستغيثا به أن امنعني، فكأنه نفضني نفضة وقال: ويحك، من يجير من علي بن أبي طالب، أمير المؤمنين ﵇، فعندها نفحني بقائم سيفه مغمودا، ما أدري أيهما كان، فانتبهت وقيذا والأثر في جنبي ظاهر، فليغثني بطيب، وما زال في انتكاسه حتى مضى.
وكان بماه الكوفة أخوان،؛ أحدهما عريف بالباب، والآخر على خزانة السروج يسمّى مسعرا، وضرب الدهر ضربة على عادته، وتقلّبت بنا الأحوال، وإني لسائر بمدينة السلام يوم الجمعة إلى المسجد الجامع ببراثا، وإذا مسعر مكفوف أكمه يقوده قائده على لقم الطريق في زمن السؤال، ودلني عليه أحد من سايرني من غلماني، معجبا ومتوجّعا، فعجت عليه بما حضر من بر، واستوصفت دارنا فكان يغشاها، فيستعين باللهنة، ويتبلغ بالكثبة، ثم انقطع غير كثير، فاذا هو قد أتاني مصحّحا
بعيني جؤذر، ملتمسا كتابا إلى الديلم، قلت خبّرني أولا عن نفسك؟
قال: سئمت العيش، وجلت كثيرا، فأشار عليّ من رحمني بقصد كربلاء، والتوسل بساكنيه ﵈، فاعتكفت في قبّة المصرع ثلاثا، أصومها نهارا، وأقومها ليلا، وأجأر إلى مواليّ صلوات الله عليهم، وأتضرّع، فرأيت في الليلة الثالثة طيرا أبيض قد طلع من خوخة هناك وصفها لي، وقد رأيتها وأنا بين النائم واليقظان، فهبط عليّ ومسح بأحد جناحيه عيني، فانتبهت كما ترى.
وليس هذا من الباب الذي قصدنا، وإياه أردنا، ولكنه يتعلق منه بسبب، والحديث ذو شجون.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع