تجاوز إلى المحتوى

من «المجموع اللفيف» للأفطسي (ت بعد ٥١٥هـ)

فضائل البيت العتيق

فأما فضائل البيت المعمور ومناقبه ومعجزاته ومفاخره، وما ورد فيه من الآيات المسطورة في الكتاب المنزل، والأحاديث المأثورة عن النبي المرسل، صلوات الله عليه وآله، فلو جعلنا صفحات الأرض قرطاسا، ومهابّ الرياح الأربع ألفاظا وأنفاسا، ثم أردنا جمعه على استقصاء أبوابه، واستيفاء شوارده، لما بلغنا المعشار منه، وإنما الشرط أن نذكر ما أدركه العيان والمشاهدة، ونتوخّى الإيجاز، حتى لا تخرج هذه الرسالة عن نمط الترسل، وتنتهي إلى حد التعمّل، وبالله التوفيق.

قال الله ﷿ ذاكرا شرفه وقدمه: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ

الآية، وقال تعالى:

وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا

، وقرن به العمرة، فقال: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ

، ثم بيّن شهوره ومواقيته، فقال: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ

الآية.

حدثنا عمر بن الحسن في الحرم تجاه مقام إبراهيم ﵇، قال:

حدثنا محمد بن الحسن الأجري قال: حدثنا المروزي عن عاصم بن علي، عن المسعودي، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، قال، قال رسول الله ﷺ: (حجة مبرورة غير مردودة خير مما طلعت عليه الشمس، وما جزاء الحجة المبرورة إلا الجنة).

حدثنا أبو الحسن علي بن عبد الرحمن السرّي بالكوفة، قال: حدثنا القاضي أبو حصين قال: حدثنا أحمد بن يونس عن أبيه قال: حدثنا إسرائيل عن أنس بن مالك، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من مات في أحد الحرمين بعثه الله آمنا).

وإذا كان الغرض في هذه الرسالة الإيجاز، وهو الأسّ الذي عليه بنينا، والغاية التي إليها أجرينا، لئلا تدخل في غمار تصانيف العامة المؤلفة، وكتبها المتكلفة، فليكن [ما] نضمّنه إياها ذكر ما شاهده العيان، ليرد ما يرد على سمعك

منها بديعا غير مبتذل، وبكرا غير مفترع، وتلذّه المسامع، وتهشّ له الطبائع.

وبعد، فما عسى يبلغ مدح المادح، وجهد الواصف من كنه الثناء على بيت عظّمته الملائكة، وطافت به الجنّ والإنس، ثم الأمم على اختلاف مذاهبها، وتباين عقائدها، ولم يقع على قديم الدهر في تعظيمه وتقديسه وتفخيم شأنه واستلام أركانه، اختلاف من الموحّد والملحد، وأهل الشّرك والإيمان، فكلّ في المذاهب والملل، والشرائع والنّحل، والوسائط والرّسل، مختلف، وإلى تفضيله داع، وإلى الطواف به والصلاة فيه شاع، وبالإذعان له مقرّ، وعلى التوسل به مستمر، وما ظنّك ببيت تجافى عنه طوفان نوح، وردّ دونه فيل الحبشة، وخاب عن ثلمه كيد الفراعنة، وثبت فيه مقام إبراهيم، وأشرفت نبوّة محمد ﵌، ودرجت عنه الأئمّة الزّهر، والذي يذكره المشاهد بالعيان، وما يحقّقه حاضر الامتحان لتكون أردّ على المنكر، وأقطع بحجّة المخالف، وأشحذ لنيّة المؤمنين، وأقرّ لعين المهتدين، فأول ذلك أنه لم يضق قطّ عن الحجيج، وأكثر الروايات الصحيحة بالإجماع، أنه لن يتمّ موسما بدون الأربع مئة ألف نسمة، فان نقصت العدّة تمّمتها الملائكة، ثم إنّ أهل النظر والتبيين، والفحص والتبحّث، يعتبرون في ابتداء كل عام، إذا دخلت الشمس رأس النقطة الا عتدالية من الحمل، فان نشأت السحائب من تلقاء الركن العراقي، كان الخصب في العراق، وإن نشأت من تجاه الركن اليماني كان الخصب باليمن، وإن نشأت من إزاء الركن الشامي، كان الخصب بالشام، وإن عمّت السحائب من الأركان الأربعة كان الخصب ذلك العام عاما.

ثم إنه معلوم أنّ حجة لا تتمّ إلا برمي الجمار، وعلى كل مسلم رمى إحدى وسبعين حصاة، وقد ذكرنا الرواية في عدد من يتكامل به الموسم، وذلك أنّ من لدن آدم، وإلى حيث زماننا هذا، فلو اجتمع بالمزدلفة لكان جبلا لا

يبلغه ثبير، ولا يعشره يلملم، ولا تبلغه هضبات يذبل ذي يفاع الأطول، لولا معجزة الله بها أعلم، والأحاديث عنها تكثر، ومنها أنّا لا نرى لأربع مئة ألف ضحية تنحر في صعيد واحد كل سنة من فرث أو دم، أو ما يتولد من الذبائح والمقاذر والروائح شيئا تأباه النفس، وتنبو عنه العين، وأنت لو اعتبرت ذلك في مدينة يذبح قصّابوها الأعداد اليسيرة، لرأيت ما يغضّ الناظر، ويشمئزّ منه الخاطر، ويدل ذلك على موضع الإعجاز والإعجاب، فانّه أمر لا يخفى إلا على عديم حسّ، وسقيم نفس، ثم إني اعتبرت في مقامي أمر الحمام، مع كثرة العدد ونميّه على طول الأبد، وهو لا يعرض له خارج، ولا يذعره صائد ولا ذابح، ولا نرى حمامة طارت على سطح الكعبة، إلا أن تكون عليلة، فترى هناك طريحة كالمستشفية حتى تبرأ، ثم تعود إلى عادتها.

حدثني شيخ من أهل المدينة يكنّى أبا القاسم، ونحن في الروضة ما بين القبر والمنبر، وهو يقسم بهما، أنّ ختنا له يكنّى أبا الطيب الدينوري، كان مجاورا بمكة ثلاثين سنة، قال: فزرته في بعض السنين التي حججت فيها في منزله، فقلت: أبا الطيب قد أخذت من المجاورة بنصيب، فلو عدت بأهلك إلى مسقط رأسك، فان تلق منيّة ففي غير غربة، وحيث يشاهدك ذووك، ولا يعرف عنك أقربوك، فقال: أصبت ما في نفسي، وكان موسرا، فحاسب معامليه، وجمع حاشيته، وعمل على الرجوع، فبينا هو كذلك في المسجد،

طائفا به للتوديع حين خفّ أهله عند الهاجرة، وقد انتعل كلّ شيء ظلّه، حتى رأى غزالا هبط من أعلى أبي قبيس، ودخل من باب إبراهيم ﵇، وطاف بالبيت سبعا، ثم سما إلى الحجر الأسود يرومه بأظلافه، وهو لا يكاد يبلغه، فاشتمله ثم رجع على أدراجه، صاعدا إلى أبي قبيس، فقال لي: يا أبا القاسم، يستجير به الوحش، وأرحل أنا عنه!! كلا، والذي عظّمه وكرّمه، فأقام مجاورا إلى أن قضى نحبه.

ولو لم يكن لهذا البيت إلا أنه بلد لقاح لم يملكه أحد على وجه الأرض، ولم تطل عليه يد، ولم يزل مضافا إلى الله تعالى، فيقال: بيت الله، وحرم الله، وكعبة الله، ويدعى سكانه جيرة الله، وأهله أهل الله، لكان ناهيك به فضلا، وحسبك به فخرا ونبلا، ثم إن العرب كانت تنتمي إليه، وتسمي أولادها به، تنويها بهم، وتفخيما لهم، وكان عثمان بن عامر أبو قحافة، سمّى ولده في الجاهلية عبد الكعبة، حتى أتى الله ﵎ بالإسلام، فسمّاه النبي صلى الله عليه عبد الله، وكانت لعبد المطلب عدّة كنى، وكان أشرفها عندهم (أبو البطحاء)، يرون الانتماء له إلى ملك الأباطح منقبة لا توازيها المناقب، ونسبا لا تدانيه المناسب، وكم من مولدي الإسلام يسمّى بالمكّي والمدني والحجاج والحاجي.

حدثنا المروزي، من حاج خراسان، عن فقيه ذكره، قال: رأيت في المرجع رسول الله ﷺ، مقبلا في أصحابه، فقلت:

يا رسول الله، هل يقبل منّا حجّنا؟ فقال: كيف لا يقبل وأنا معكم، أو فيكم الشكّ مني؟

وحدثنا القاضي التراسي حين بدأنا بالبادية، سائرين من القادسية، قال:

جرت البارحة بيني وبين طائفة من بلدي منازعة، فقال غمر من أغمارهم: هذا دهليز المنيّة، وأول أبواب الشقوة، ومفتاح التغرير بالمهجة، فقلت: كلا، بل هو باب الرحمة والطريق إلى الجنة، وفاتحة العفو والمغفرة، قال: فهوّمت في محملي، وفي قلبي هاجس من ذلك، فأريت أرض البادية كلها كصفائح الفضّة المجلوّة، والسيوف البواتر المصقولة، أو كالصرح الممرّد بعجيب الصنعة، وعن اليمين والشمال قباب شامخة، وقناديل معلّقة زاهرة، وكأنّ هاتفا يهتف بي ويقول: ما قلت اليوم وما قيل لك؟ فأعدت ما جرى، فقال:

القول ما قلته، فسكن روعي وقلت: ما هذه القناديل والقباب؟ قال: هي للحاج كل سنة.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الفصل الأول من المجموع اللفيف

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.