تجاوز إلى المحتوى

من «المجموع اللفيف» للأفطسي (ت بعد ٥١٥هـ)

في الطريق إلى مكة

المنازل بين همذان ومكة وأوصافها سرنا منها إلى أسد آباذ، وإلى قصر اللصوص وإلى العيون،......

وإلى حيار نسر وإلى قرمسين، إلى قصر عمرو، ثم إلى المرج وحلوان، وهو آخر الأعمال البدرية التي أفاض الله عزّ اسمه عليها العدل وأشملها الخصب، وما زلنا بها في خير لا يطير غرابه، ولا يخشى انقضاؤه، والذئب والنعجة في سقيفة، واللص والتاجر في قطيفة، وسرنا من حلوان إلى قصر شيرين، ومنها إلى خانقين، ومنها إلى جلولاء، ...

ثم إلى دسكرة وجللتا والنهروان ومدينة السلام، وما زال الحاج في مثل برائن الأسود، وأفواه الدواهي السود، ظلما لا ينجلي ظلامه، وغشما لا ينقشع غمامه، ونيران شرّ تستعر، وسيوف شغب تسهر، وحروبا تتلظّى نارها، ولا يطفأ أوارها، وأفعالا دنيّة، تردّ طرف الإسلام غضيضا، وأحكاما سدومية تذر الليالي البيض سودا، فلما شارفتها، رأيت المنايا على الحوايا، فقلت أرجع على أدراجي، متأدبا بآداب الله تعالى في قوله:

وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ

، فاستقبلني نفر من غلمان لنا أتراك، كنت

تركتهم صغارا، وما فيهم اليوم إلا حاجب ذو مهابة، أو قائد ذو عصابة، فاستمر بي العزم استظهارا بهم: (إنّ الذليل الذي ليست له عضد)، وما زال الحاج في سخطه من ظلم السلطان، وبغداد كأسوأ المدن حالا، وما بقي في جانب الشرقي إلا بقايا دمن، ومكامن ريب وفتن، وخشارات لم أعهدها أيام الخير والعمارة، وزمن العدل والنضارة، ورأيت دوري على الشط بقصر عيسى، والبصر بين مسافي ريح ومنابت شيح، ومنها إلى صرصر فطلعت علينا بعدك العرب سعود وشموس، وانكشفت عنا نحوس ونحوس، ومنها إلى كوثى، والقصر والحمام، والكوفة والقادسية ولحجنا في البادية، وللإبل رغاء وعجيج، وللناس بكاء وضجيج، فرقا من ذلك البر

العابس، والبحر اليابس، فسرنا في يومين وليلتين إلى واقصة، وفي مثل ذلك إلى زبالة، وفي مثله إلى الثّعلبية وفي مثله إلى فيد، وكان بها متعرض الأصيفر وجنوده، وتعريس يومين للخروج إليه من شروطه وعقوده، ومنها إلى سميراء، وبها ماء شريب، لا يقدم عليه إلا المضطر، فسألت امرأة عن الخبز، فقالت: ما سمعت باسمه لا عرفته ولا ذقته، قلت: فيم تعيشون؟ قالت: بما تجمعه النمل في قراها، وتحتكره لشتوتها، نتبعه ونستخرجه، ونسد به الجوعة، ومنها إلى معدن النفرة، وسالت الأودية بالعرب من هنا وهنا، وموقرة رواحلها بسطائح الماء، وبلغت القربة ثمانين درهما، ومنها إلى ذات عرق، ...

وكانت الربذة على طريقنا، فخرجت امرأة طويلة ذات منطق حلو ولسان عذب، على ما بها من رثاثة الهيئة وقشف البادية، فقلت: ما الاسم؟ قالت:

ميّة، فسألت عن حالهم، فقالت: نحن في قانت من العيش، بقنيص الظباء بشرك، فمنها قوتنا، قلت: فالصيد ليس بموثوق دوامه، ولا بمأمول انصرامه، قالت: فورق الطلح نخبطه ونتبلّغ به، قلت: فالماء؟ فناولتني من سقاء معها زعاقا يفقأ عين الطير، فرثيت لأبي ذر ﵀ حين بلي بشربه، فقلت: أتجردون ؟ فتأوهت وقالت: واخصباه، وأين الجراد، كنا نجنيه برهة ونأكل منه وندّخر، وقد انقطع الآن بسوء النيّة وقلّة الشكر.

وأحرم الناس، فرأيت صفات المحشر، خلقا عراة حفاة يجأرون إلى الله عزت قدرته بالتلبية والبكاء والاستغفار.

ولبني هذيل من ذات عرق إلى مكة في تلك المضايق سطوة بالنبال من شعف الجبال، وبطون الأودية والرمال.

وأدّينا فرائض الحج بمقتضى الكتاب والسنّة، وأقبلت عساكر مصر مع القائد لمفضل المغربي، في أطهر زينة، وأقيمت الخطبة للإمام الحاكم بأمر الله، وأفيضت على الأئمة والقضاة وسدنة البيت رسومهم من الجوائز

والخلع، وجدّدت كسوة البيت بالشقاق المذهبة المعملة، ومما استبدعته واستغربته خفقان الطبول والبوقات حول البيت عند ذلك.

وسألت شيخا ذا شارة في المسجد الحرام من بني شيبة عن الحجر الأسودما هو؟ قال: الذي صح عندنا عن أشياخنا، أن آدم لما نقم عليه ربه تعالى، بكى كثيرا على خطيئته، ثم شكا بعد دهر إلى ربه الضحى، فأنزلت له من الجنة خيمة تكنّه، فنصبت بمكان الكعبة، ثم شكا ظلمة الليل، فأنزل هذا الحجر، وكانت درة بيضاء تتلألأ نهارا، وتشرق ليلا، فما زالت الأكفّ النّجسة من البشر تلمسه حتي اظلمّ واسودّ كما ترى.

ثم نفرنا إلى المعلاة، وكان المسير إلى بطن مرّ، وهي ذات نخل كثير وماء نمير، ومنها إلى عسفان، والأمر بها أمم لا وجدان ولا عدم،

ومنها إلى الحليفة، ولها ماء عذب، وهي ذات عمارة وخصب.

حدثني الشريف يحيى بن عبيد الله من ولد جعفر بن محمد الصادق ﵇، في إسناد رفعه لم أحفظه، أن النبي ﷺ، لما أخرج من مكة، دعا ربه عز اسمه فقال: (أي ربّ، إنك قد أخرجتني من أحبّ البلاد إليّ، فاسكنّي أحبّ البلاد إليك) فأسكنه يثرب.

ومنها إلى خيمتي أم معبد، وقطعنا إليها عقبة السويق، وعقبة الذناب، ومن أعلاها يرى الرائي بحر جدة، وهو اليم الأعظم الذي يولد الدرّ ويقذف العنبر، ومنها إلى الجحفة،

وهي غنّاء مريعة، ومنها إلى الأبواء، وسقيا يزيد، والناس فيهما في قانت من العيش، ليس بالفائض العميم، ولا الغائض العديم، ومنه إلى العرج، وهي من قطائع بني حرب، وهم طائفة من العرب لهم ذمام وبهم انتفاع. ومنها إلى الرّوحاء، ثم إلى يثرب مدينة الرسول صلى الله عليه وآله، وأهلها معاسير مملقون، لكنهم ألين عريكة، وأحمد طريقة، وأكثر إنصافا، وأوطأ أكنافا من أهل مكة، فانّا نرى فيهم فظاظة تشهد بها اللحاظ،

وزعارة تدرّ عليها الألفاظ، وكنت أظن ذلك من رجالهم دون نسائهم مكتسبا لا جبلّة، ومقتبسا لا طبيعة، حتى ميزت أضعافه في أصاغر صبيانهم، وضعائف ولدانهم ونسوانهم، فعلمت أنّه شيء ولدته التربة، ونتجته الطبيعة.

وزرنا قبر النبي صلى الله عليه، وعطفنا على البقيع، إلى تلك المواقف الكريمة والآثار القديمة، وتنادى الناس بالمسير والتزود بالماء، وسرنا سبعا لا نذوق بلالا، وأصبح الحجيج مرملين، والإبل طليحة قد أجهدها السير، وأضناها العطش، وأوجفنا رجاء لوجود الماء بواد وصف لنا أنه لم تزل مفعمة آباره، مدهقة حفاره، فهجمنا منه على قفر لا يغمر صوفة ببلّة، ولا ينقع بعوضة من غلّة، وطوى الناس السير، والسماء مصحية سافرة القناع، والأرض عابسة مغبرّة البقاع، فبينا نحن كذلك حتى أرعدت وأبرقت، وأرخت عزاليها، وتدفقت، فوالله الذي وجهي زمم بيته، إن الاكلا ولا حتى رويت الإبل من عند أخفافها، وملئت القرب والسطائح، وتزود الناس، واكتفوا وأرووا، أو ارتووا، ثم أقشعت

وانجابت، وأشمست وطابت، وكان الميقات المقدّر، والمقدار المعدّل لم ينته إلى حدّ الإفساد، ولم ينقص عن كنه المراد، وكانت دلالة تقطع حجج الملحدين، وآية تثلج صدور الموحدين، وشهادة تخفي لطف الله للمؤمنين، واتصلت بعد ذلك المنازل، تعيد على النسق المذكور، وبالله التوفيق.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الفصل الأول من المجموع اللفيف

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.