من «المجموع اللفيف» للأفطسي (ت بعد ٥١٥هـ)
بناء مسجد النبي
لما أسس رسول الله صلى الله عليه وآله المسجد، كان عمّار ﵁ يومئذ ينقل لبنتين لبنتين، وكان رسول الله صلى الله عليه يمسح رأسه من التراب، ويقول: (يا ويحك يا ابن سميّة تقتلك الفئة الباغية).
وكان عثمان رجلا نظيفا متنظفا يجافي اللبنة عن ثوبه إذا حملها، وينفض كمّه إذا وضعها، فقال عليّ ﵇:
لا يستوي من يعمر المساجدايدأب فيها قائما وقاعدا
ومن يرى عن الغبار حائدا
فعلقها عمّار يرتجز بها، فقال عثمان: يابن سميّة، ما أعرفني بمن تعرّض، ومعه جريدة فقال: والله لتكفّنّ أو لأعترضنّ بها وجهك، فسمعها رسول الله صلى الله عليه، وهو جالس في ظلّ، فقال: (إنّ عمّارا جلدة ما بين عيني وأنفي، وإذا بلغ من المرء ذلك فقد بلغ).
قال ﷺ: (سدوا هذه الأبواب الشوارع في المسجد، إلا باب أبي بكر فاني لا أعلم أحدا أفضل عندي يدا في الصحابة من أبي
بكر) ﵁. وفي حديث آخر: (سدوا هذه الأبواب الشوارع في المسجد إلا باب عليّ، إنّ الله أمر موسى ﵇ أن يبني مسجدا طاهرا لا يسكنه إلا هو وهارون وأبناء هارون شير وشبير، وإن الله تعالى أوحى إليّ أن أتخذ مسجدا طاهرا لا يسكنه إلا أنا وعليّ وأبناه علي حسن وحسين).
وقال للعباس وقد خاطبه في ذلك: (يا عمّ والله ما سددت عن أمري، وما أنا أسكنت عليا، ولكن الله أسكنه)، وكان لا يأذن لأحد أن يجلس في المسجد، ولا يمرّ فيه جنبا، إلا لعليّ وحده صلى الله عليه.
كان في المسجد جذع نخلة يستند إليه النبيّ صلى الله عليه يوم الجمعة، إذا أراد أن يكلّم الناس، فقالوا: يا رسول الله، ألا نتخذ لك شيئا يستند إليه ظهرك؟ فقال: (لا عليكم أن تفعلوا)، فجعلوا هذا المنبر ثلاث مراقي، فخار الجذع كما تخور البقرة، وحنّ كحنين الناقة، فنزل صلى الله عليه وآله فاعتنقه، فسكن، وكان المنبر من طرفاء الغابة، والجذع من أمّ جرذان من حائط أبي أيوب، ودفن الجذع بين المنبر والمغرب، وكان طوله سبع أذرع.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع