تجاوز إلى المحتوى

من «الجامع الكبير» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)

القسم الثاني من الباب الأول في صناعة تركيب الألفاظ

اعلم أن اللفظة قبل دخولها في سبل التأليف، وقبل أن تصير إلى الصورة التي تسمى كلاماً، دالاً على معنى من المعاني، لا يكون لها مزية على أختها، التي في معناها، إلا بأن تكون هذه أشرف من هذه بعلامات توجد فيها. إما أن تكون إحداهما مستعملة مألوفة، والأخرى وحشية متوعرة، وإما أن تكون حروف هذه أخف حركة أو أحسن امتزاجاً مع صواحيها أو غير ذلك مما قدمنا ذكره. ولا يتصور بين اللفظتين تفاضل في الدلالة على المعنى الذي اشتراكا فيه، حتى تكون إحداهما أحسن في الدلالة على ذلك المعنى من الأخرى؛ ولنضرب لهذا مثالا فنقول: لا يخفى على من له ذوق صحيح، وفطرة سليمة، أن لفظة الليث أو الأسد أحسن دلالة (على) مسماها من لفظة (الفدوكس) أو (العميثل) فثبت بهذا الدليل أن الكلمة لا يكون لها مزية على أختها إلا بعلامات توجد فيها دون تلك، وهذا لا يثبته على اعتماد وقصده في الكلام إلا الفطن اللبيب، الذي له عناية بصناعته. وكثيراً ما رأينا من يحكم على الألفاظ بالجودة والرداءة، وإذا طولب بدليل يثبت له ما ادعاه لا يحير جواباً، الا تحكما محضاً، لا حاصل وراءه. ولا يعلم إنه لا يجوز القائل أن يقول: هذا الكلام جيد أو رديء، إلا بعد أن يعتبر كل لفظة منه على انفرادها، ويعرض عليها تلك الصفات التي ذكرناها أولاً في كتابنا

هذا، فإذا رآها موجودة فيها أو بعضها، علم أنها حقيقة بأن تدخل في سبك التأليف. ثم يعود بعد ذلك ويعتبر مكانها من النظم، وكيف ممازجتها لجاراتها والتئامها مع أخواتها، فإذا وجدها شديدة المناسبة لها، حسنة الامتزاج معها، حكم على ذلك اللفظ بالجودة، وشهد له بالرونق والطلاوة، وإن كان الأمر بخلاف ذلك (حكم) عليه بالرداءة والقبح، على حسب ما استحق. والأصل في هذا كله حسن التأليف،

وجودة التركيب، فإن حسن التأليف يزيد المعنى نباهة ويميل النفوس إلى استماعه، والإصغاء إليه، فإنه إذا كان المعنى سيئاً، وكان اللفظ جيداً مختاراً، ويكون التركيب مع ذلك رديئاً لم يوجد له يظهر عليه رونق. وإذا كان المعنى واللفظ وسطين، وكان تركيبها جيداً حسناً كان ذلك معلياً من قدرهما، ورافعاً من شأنهما. فمثال ذلك كالعقد المتوسط. ألا ترى إنه إذا أحسن تنضيده فجعلت كل قطعة مع يشاكلها، ويليق بها، كان رائقاً في المنظر وإن لم يكن مرتفعاً ثميناً. ومثال المعنى واللفظ الرائقين مع التركيب الرديء مثال عقد ثمين، أفسد نظمه، فجعلت كل قطعة منه مع ما ينافيها ولا يناسبها، فإنه يصير بذلك مختلاً في المنظر، وإن كان فائقاً ثميناً.

وحسن التأليف: هو أن توضع الألفاظ في مواضعها وتجعل في أما كنها. وسوء التأليف بخلاف ذلك. ألا ترى إنه إذا قدم في التأليف ما يجب تأخيره، وأخر ما يجب تقديمه تصير المعاني نافرة عن مواضعها، محولة عن وجوهها؟ ومثال ذلك كالصورة التي تحول بعض أعضائها إلى موضع بعض، فتحول الرأس إلى موضع اليد أو الرجل أو غير ذلك، فإنه إذا فعل هذا قبحت الصورة، وفسدت هيئتها الجميلة الحسنة. فاعرف ذلك، فإنه لم يقل: (لفظة متمكنة مرضية) وفي خلافها (قلقلة مستكرهة) إلا والغرض بالتمكن حسن الاتفاق بين الألفاظ بعضها مع بعض، وبالقلق سوء الملاءمة وأنها لم توافق صواحبها. وهل تشك أيها

المتأمل لكتابنا هذا، إذا فكرت في قوله تعالى: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين) أنك لم تجد ما وجدت لهذه الألفاظ من المزية الظاهرة، والفضيلة الزائدة، إلا لأمر يرجع إلى ارتباط بعضها ببعض، وأنه لم يعرض لها هذا الحسن الوافر، والشرف الكامل إلا من حيث لاقت الأولى بالثانية، والثالثة بالرابعة، وكذلك إلى آخرها.

وأن الفضل حصل من امتزاجها وتلاؤمها. فإن لحقك في ذلك أدنى شك فتأمل هل ترى لفظة منها، لو أخذت من مكانها، وأفردت من بين أخواتها، كانت مؤدية من الحسن ما تؤديه وهي في موضعها من الآية؟ فصح لنا من هذا القول أن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي مفردة فقط. ومن أدل الدليل على ذلك، أن ألفاظ القرآن الكريم قد نطق بها العرب قبل نزوله على النبي، ﷺ، وليس فيه لفظة من الألفاظ (إلا) وقد تكلموا بها، وجاءت عنهم. ولولا ذلك لما كان عربياً، لأنه لما نزل على لغة القوم وكلامهم، ونحن قد رأينا القرآن الكريم يفوق جميع كلامهم، ويعلو عليه مع كونه وارداً على لغتهم قد تكلموا بألفاظه ونطقوا بها، ثبت لنا من ذلك أن ألفاظ القرآن الكريم إنما تفضل سائر الكلام من حيث تركيبها ونظمها. وهي من حيث الانفراد مساوية لكلام العرب، حيث هي عين ألفاظهم ونفس كلامهم. وهذا مما لا شك فيه ولا ارتياب، فاعرفه.

ومما يشهد بذلك ويؤيده، أنك ترى اللفظة تروقك في كلام، وتزداد بها إعجاباً واستحساناً، ثم تراها في كلام آخر، فتثقل عليك وتستكرهها. مثال ذلك أن لفظة الأخدع، قد جاءت في بيتين من الشعر، وهي في أحدهما لائقة حسنة، وفي الآخر ثقيلة مستكرهة، كقول الصمة بن عبد الله بن طفيل في الحماسة:

تلفَّت نحو الحي حتى وجدتنيوَجِعْتُ من الإصغاء ليتاً وأخدعا
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «ما وجد علوي الهوى جن واجتوى»

وكقول أبي تمام:

يا دهر قوم من أخدعيك فقدأضججت هذا الأنام من خُرُقك
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «كانت صروف الزمان من فرقك»

ألا ترى إنه قد وجد لهذه اللفظة ببيت أبي تمام من الثقل على النفس والكراهة أضعاف ما وجد لها في بيت الحماسة من الروح والخفة والإيناس والبهجة؟ وهذا مما لا يمكن النزاع فيه لظهوره، وسيأتي له باب مفرد في الكلام على الصناعة اللفظة.

فعليك أيها المترشح لهذه الصناعة أن تراعي في كلامك هذه الدقائق الشريفة، والنكت اللطيفة، فإن لصناعة التأليف غوراً لا يدرك منهاه، ومذهباً لا يوصل إلى مداه.

النص من طبعة مطبعة المجمع العلمي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الجامع الكبير»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.