تجاوز إلى المحتوى

من «الجامع الكبير» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)

النوع الثالث من القسم الأول من الباب الأول وهو ألا تكون الكلمة مبتذلة بين العامة

وذلك ينقسم قسمين:

الأول: ما كان من الألفاظ دالا على معنى وضع له في أصل اللغة، فغيرته العامة وجعلته دالاً على معنى آخر، وهو ضربان:

الأول: يكره ذكره، كقول أبي الطيب المتنبي:

أذاق الغواني حسنه ما أذقننيوعف فجازاهن عنّي بالصرم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

فإن لفظة (صرم) في أصل وضع اللغة (القطع) يقال: صرمه أي قطعه، فغيرتها العامة، وجعلتها دالة على المحل المخصوص دون غيره. ثم لم يكفهم، حتى جعلوا ما هو بالسين صادا؛ ولأجل هذا استكره استعمال هذه اللفظة. وكذلك ما جرى هذا المجرى كقول أبي الطيب:

سلي البيدَ أين الجنُ منّا بِجَوْزِهاوعن ذي المهاري أين منها النقانق؟

فإن النقانق في أصل اللغة: هي جماعة النعام، فغيرتها العامة، وجعلتها دالة على ضرب من طعام السوقة، فصارت من أكثر الألفاظ ابتذالا. واعلم أن العامة اعتمدوا هذا في كثير من كلامهم، حتى أن الشيخ أبا منصور الجواليقي، صنف في ذلك كتاباً ووسمه (بإصلاح ما يغلط فيه العامة) فمنه ما هذا سبيله، وهو الذي أنكرنا استعماله على أرباب هذه الصناعة؛ لكراهته ولأنه مما لم يأت في كلام العرب، ولا جاء عنهم، فهذان عيبان من الضرب الذي ذكرناه.

وأما الضرب الثاني من القسم الأول؛ ففيه عيب واحد؛ وهو إنه وضع في كلام العرب لمعنى فجعلته العامة ذالاً على غيره، إلا إنه ليس بمستقبح ولا مستكره، وذلك كتسميتهم الإنسان ظريفاً إذا كان دمث الأخلاق، حسن الصورة واللباس، طيب الريح، وما هذا سبيله. والظريف في أصل اللغة بخلاف ذلك؛ لأن الإنسان إنما يسمى ظريفاً إذا كان حسن النطق فقط. إذ الظرف يتعلق باللسان لا غير. وقد قالت العرب في صفات خلق الإنسان: الصباحة في الوجه. الوضاءة في البشر. الجمال في الأنف. الحلاوة في العينين. الملاحة في الفم. الظرف في اللسان.

الرشاقة في القد. اللباقة في الشمائل. كمال الحسن في الشعر. وهذا الضرب قد ذكره الشيخ أبو منصور الجواليقي في كتابه، فاعرفه.

القسم الثاني مما ابتذلته العامة، وهو الذي لم تغيره عن بابه. وإنما أنكرنا استعمال هذا القسم من الكلام، لأنه مبتذل بينهم فقط، لا لأنه مستقبح، ولا مخالف لما وضع

له في أصل اللغة. وذلك كقول أبي الطيب المتنبي:

فقلقلت بالهمَّ الذي قلقل الحشاقلاقل عيس كلهن قلاقل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قفا تريا ودقي فهاتا المخايل»

ألا ترى إلى سخافة هذه اللفظة، وما عليها من الركاكة التي لا أمد وراءها!؟. ومما جاء على نحو ذلك قوله أيضاً:

وملمومة سيفية ربعيةيصيح الحصا فيها صباح اللقالق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

ومن هذا القسم قول ابن هانئ المغربي:

من ليس يرفل إلا في سَواِبغِهِمن تُبّعيً مفاض أو سلوقي
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «قولا لمعتقل الرمح الرديني»
أم من يُذلً عماليقاً تذلُّهمأي الأجادل يسمو للكراكيَ
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «قولا لمعتقل الرمح الرديني»

فإن كلاً من هاتين اللفظتين مبتذل بين العامة جداً. وأمثال هذا كثير، فاعرفه. وعليك أيها المؤلف اجتنابه، والبعد عنه.

النص من طبعة مطبعة المجمع العلمي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الجامع الكبير»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.