تجاوز إلى المحتوى

من «الجامع الكبير» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)

الباب الثالث من الفن الثاني من القطب الأول في تفضيل الكلام المنثور على المنظوم

واعلم أن الأقوال متعارضة في تفضيل كل واحد من هذين القسمين على الآخر، إلا أن المذهب الفحل والقول القوي هو أن الكلام المنثور أفضل من الكلام المنظوم، والدليل على ذلك من أربعة أوجه:

(الأول) أن القرآن الكريم ورد نثراً، ولولا فضله وعلو درجته، لما نزل كتاب الله ﷿ على أسلوبه ونهجه، وأيضاً، فإن القرآن معجزة الرسول ﷺ ومن المعلوم أن المعجزات لا تجيء إلا من طريق الأصعب، بحيث إنه لا يمكن أحداً من خلق الله الوصول إليها، والإتيان بمثلها. ولما كان النثر من الأقوال الشاقة، والأشياء المتصعبة، أنزل الله تعالى القرآن، الذي هو معجزة، على قانونه.

ومما يدلك على أن النثر أشق من النظم، وأصعب مأخذاً، هو أن العرب كانوا أفصح الناس، وأبلغهم وأكثرهم قدرة على التفنن في الكلام، زعم هذا فلم نسمع لأحد منهم نثراً، إلا قس بن ساعدة، الذي يضرب بكلامه المثل في الفصاحة والبلاغة، ولأقوام آخرين وهم قليل.

وأما النظم، فإن جميع العرب كانوا يقولونه وكان عليهم من أسهل الأشياء حتى على نسائهم.

وأيضاً، فإن أرباب النظم لو أريد حصرهم، بل حصر أهل عصر واحد لتعذر

حصول ذلك، فكيف حصر جميعهم؟ وليس سبب هذا إلا وعورة مسلك النثر وشرف منزلته، وأنه لا يناله إلا الأفراد من الفضلاء، فإن قيل: إذا كانت العرب لا تكثر من النثر، وأكثرت من النظم، فليس ذلك دليلاً على أن النثر أصعب من النظم بل الأمر بالعكس من ذلك، وهو: أن النثر لما كان سهلاً عند العرب هيناً، والنظم شاقاً عليهم مستصعباً، عمدوا إلى الأصعب وتركوا الأسهل؛ لأنهم إنما كان غرضهم إظهار قوتهم في البلاغة والفصاحة، وإذا كان ذلك فيما هو أشق مسلكاً وأوعر مذهباً، كان أدل على نمكنهم من الكلام. وأما النثر، فما كان عندهم بمنزلة ما يرغبون فيه، ويتنافسون عليه؛ لسهولته عندهم! ولهذا لم يعتنوا به ويكثروا منه، كما فعلوا في النظم! وأما قولك: إن القرآن الكريم ورد نثراً، وتفضيلك النثر على النظم، لأن الله تعالى إنما أنزل القرآن ليكون آية لرسوله ﷺ، ومعجزة على يده، ليفحم به أولئك الفصحاء والبلغاء من العرب، لأنهم كانوا أرباب الفصاحة والبلاغة، وحيث كان النثر سهلاً عندهم يسيراً عليهم أنزل الله تعالى القرآن على أسلوبه ليعجزهم، بما هو أسهل عليهم من غيره، ليكون ذلك أعظم في الإعجاز. وأبلغ الجواب عن ذلك أنا نقول أن هذا الذي ذكرته من أن النثر، كان أسهل على العرب من النظم، واستدلالك عليه بقلة رغبتهم فيه، واعتنائهم به، فليس ذلك دليلاً لك، بل هو دليل لنا دونك. وذاك إنه قد ثبت بإجماع منا أن العرب لم تكثر من النثر، وأكثرت من النظم، ومن المعلوم أن الإنسان إذا كان مكثراً من شيء أستدل بذلك على قدرته عليه، و (عدم) قصوره عن الوصول إليه. ولا يقال بأن إكثاره من هذا الشيء دليل على تعذره عليه، لأنه لو كان متعذراً عليه لما قدر على الإكثار منه، ولذلك لا يقال أيضاً: أن تقليله من هذا الشيء دليل على سهولته عنده لما أقل منه، وهذا مما لا يمكن النزاع فيه بحال من الأحوال.

وأما قولك: إن النثر لما كان عند العرب أسهل من النظم، أنزل الله تعالى القرآن الكريم

على أسلوبه، ليعجزهم بما هو أسهل عليهم من غيره، فيكون ذلك أدل على الإعجاز من كونه يجيء على أسلوب الأشق الأصعب. فالجواب عن ذلك أنا نقول: قد ثبت أن المعجزات التي على أيدي الأنبياء - صلوات الله عليهم - لم تأت مما كان سهلاً على أممهم، لأنهم إنما جاءوا بإحياء الأموات، وانشقاق البحر وانفجار الماء من الحجر، وما جرى هذا المجرى، وهذا الحكم أيضاً موجود في النثر، فإنه لما كان شاقاً على العرب، وليس فيهم من يقدر على الإتيان به إلا القليل، أنزل الله تعالى القرآن الكريم على نهجه وطريقة، لتكون المعجزة مناسبة لما جاءت (فيه). وذلك أن النثر من حيث ذاته أمر شاق مستصعب، وانضاق إلى ذلك كونه من عند الله تعالى فصار معجزاً بالضرورة، فاعرف ذلك.

وأما الوجه الشافي فهو: أن النثر ينوب مناب النظم، ولا ينوب النظم مناب النثر وذلك إنه إذا أخذ معنى من المعاني، وعبر عنه بلفظ مطابق له، وكان ذلك الكلام منثوراً، فإنه لا يمكن التعبير بمقدار ذلك اللفظ، ويكون الكلام شعراً، وذلك إنه يحتاج في الشعر إلى إقامة الوزن، وهذا لا يتم إلا بزيارة لفظ، أو نقصان لفظ، وإذا زيد على ذلك شيء صار في الكلام مالا حاجة فيه، إذ المعنى كان يصح بدونه، وإن نقص منه شيء صار المعنى ناقصاً عما كان عليه في الأول.

وأما الوجه الثالث: فهو أن النثر لا ينال الا بعد تحصيل آلاته المذكورة في صدر كتابنا هذا أو بعضها. وذلك بخلاف النظم، فإنه قد يقوله من لم يحصل من آلاته شيئاً البتة. وكثيراً ما رأينا ممن يقول الشعر الحسن، ويصيب في معانيه، ويجيد ألفاظه، وهو لا يعرف من آلات التأليف شيئاً، كالسوقة والعامة من أرباب الحرف والصنائع.

وأما الوجه الرابع: فهو أن النائر تعلو درجته حتى ينال الوزارة للخلفاء والملوك.

وأما الشاعر فلا تعلو درجته عن رتبة المستعطين، ومنزلة الطالبين لما في أيدي الناس. ولولا فضل النائر وما عرف من شرف صنعته والحاجة إليها، لما رقي إلى درجة الوزارة. وكذلك الشاعر؛ فلولا كساد صنعته والاستغناء عنها، لعلت درجته وارتفعت منزلته، ولما كان في طول عمره كلاً على الناس، وهذا شيء مطرد لم يزل. وقد شوهد رأي العين، فلا يمكن النزاع فيه يحال من الأحوال.

النص من طبعة مطبعة المجمع العلمي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الجامع الكبير»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.