من «الجامع الكبير» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)
النوع السادس من الباب الأول من الفن الثاني في توكيد الضمير المتصل بالمنفصل
وإنما يفعل ذلك لضرب من المبالغة
فمما جاء منه قوله تعالى: (قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن تكون نحن الملقين). فقولهم (يا موسى إما أن تلقي) تخيير منهم له، وحسن أدب راعوه معه، كما يفعل أرباب الصناعات إذا تلاقوا في تقديم بعضهم على بعض كالمتناظرين قبل أن يتخاوضوا في الجدال. وإنما قالوا (وأما أن نكون نحن الملقين) ولم يقولوا (وأما أن نلقي) كما قالوا (يا موسى، إما أن تلقي) لرغبتهم في أن يلقوا قبله وتشوقهم إلى التقدم عليه وذلك لما فيه من تأكيد الضمير المتصل بالمنفصل.
ومما يجري على هذا المنهاج قوله ﷿: (فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تحف إنك أنت الأعلى). فتوكيد الضمير هاهنا في قوله: (إنك أنت الأعلى) أنفى للخوف من قلب موسى، وأثبت في نفسه للغلبة والقهر، ولو قال: (لا تخف إنك الأعلى) أو (لا تخف فأنت الأعلى) لم يكن له من التقرير والإثبات لنفي الخوف من قلب موسى، ما لقوله: (إنك أنت الأعلى).
والدليل على ذلك، أن في هذه الثلاث كلمات وهو قوله تعالى: (إنك أنت الأعلى). ست فوائد: الأولى: (أن) المشددة التي من شأنها الإثبات لما يأتي بعدها، كقولك: (زيد
قائم)، ثم تقول (إن زيداً قائم). ففي قولك: (إن زيداً قائم). من الإثبات لقيام زيد والتقرير له، ما ليس في قولك: (زيد قائم).
الثانية: تكرير الضمير في قوله تعالى: (إنك أنت الأعلى). ولو اقتصر على أحد الضميرين، فقال: إنك الأعلى، أو على: (فأنت الأعلى)، لما كان بهذه الثانية من التقرير لغلبة موسى، والإثبات لقهره.
الثالثة: التعريف في قوله (الأعلى)، ولم يقل: إنك أنت أعلى أو عال؛ لو قال ذلك
لكان قد نكره، وكان صالحاً لكل واحد من جنسه، كقولك: (رجل) فإنه يصلح أن يقع على كل واحد من الرجال. وإذا قلت: (الرجل) فقد خصصته من بين الرجال بالتعريف، وجعلته علماً فيهم. وكذلك قولك: (إنك أنت الأعلى): أي أنت الأعلى دون غيرك.
الرابعة: لفظة (أفعل) الذي من شأنه التفصيل، ولم يقل العالي.
الخامسة: إثبات الغلبة له من العلو، لأن الغرض من قوله (الأعلى)، أي الأغلب، إلا أن في الأعلى زيادة وهي الغلبة من (عال).
السادسة: الاستئناف، وهي قوله: (إنك أنت الأعلى). ولم يقل: (لأنك أنت الأعلى) لأنه لم تجعل علة انتفاء الخوف عنه كونه غالباً، وإنما نفى الخوف عنه أولاً يقوله: (لا تخف)، ثم استأنف الكلام، فقال: (إنك أنت الأعلى) فكان ذلك أبلغ في إيقان موسى ﵇ بالغلبة والاستعلاء، وأثبت لذلك في نفسه.
فهذه ست فوائد في هذه الكلمات الثلاث. فانظر أيها المتأمل إلى هذه البلاغة العجيبة، التي تحير العقول، وتذهب بالألباب. ولأمر ما أعجز هذا الكلام العزيز البلغاء، وأفحم الفصحاء، ورجل فرسان الكلام.
فإن قيل: لو كان توكيد الضمير المتصل بالمنفصل أبلغ من الاقتصار على أحدهما، لورد ذلك
عند ذكر الله نفسه في كتابه، (لأنه) هو أحق بما هو أبلغ من الكلام. وقد رأينا في القرآن الكريم مواضع تختص بذكر الله تعالى، وقد ورد فيها أحد الضميرين دون الآخر، كقوله تعالى: (قل اللهم مالك الملك، تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء، بيدك الخير، إنك على كل شيء قدير). فما الموجب لذلك إن كان توكيد الضمير المتصل بالمنفصل أبلغ في بابه من الاقتصار على أحدهما دون الآخر؟ فقد كان بخلاف ذلك، فكيف قلت: إن توكيد الضمير المتصل بالمنفصل أبلغ؟.
الجواب عن ذلك أنا نقول: توكيد الضمير المتصل بالمنفصل إنما يرد في الكلام لتقرير المعنى المقصود، وإثباته في النفس، وما يختص بالله تعالى لا يفتقر إلى تقرير ولا إثبات، لأنه إذا قيل عنه: (إنك على كل شيء قدير)، لم يحتج في ذلك إلى توكيد حتى يتحقق ويتبين إنه على كل شيء قدير، بل قد علم وعرف أن قدرته تتعلق بكل شيء، وأنها جارية على كل مخلوق، فصار هذا الأمر المعروف المشهور، الذي لاشك يعتريه، ولا مرية تعترضه. وما هذا سبيله في الوضوح والبيان، فما الحاجة فيه إلى التوكيد؟ إذ التوكيد من شأنه تقرير المعنى المراد، وإثباته في النفس، وقوله تعالى: (إنك على كل شيء قدير) لا يحتاج فيه إلى تقرير ولا إثبات.
فإن قيل: فقد ورد في القرآن الكريم أيضاً، عند ذكر الله تعالى نفسه، كلا الضميرين: المنفصل والمتصل، كقوله تعالى: (وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس، اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟) إلى (... علام الغيوب) كما قال: (إنك على كل شيء قدير) فما السبب في هذا؟ وهلاً كان الجميع نوعاً واحداً؟!
الجواب عن ذلك أنا نقول: توكيد الضميرين أحدهما بالآخر في هذه الآية لا ينقض علينا
ما أشرنا إليه أولاً؛ لأنه إن وقع الاقتصار على أحدهما دون الآخر، كان القول في ذلك ما تقدم في الآية، وإنما جيء بهما معاً فلان ذلك أبلغ في بابه وآكد، والله تعالى أحق بما هو أبلغ من الكلام وآكد.
ولنمثل لك في استعمال الضميرين معاً والاقتصار على أحدهما دون الآخر، مثالاً تتبعه، فنقول: إذا كان المعنى المقصود ظاهراً معلوماً قد ثبت في النفوس، ورسخ في الألباب فأنت بالخيار: بين أن تؤكد أحد الضميرين بالآخر في الدلالة عليه وبين أن تقتصر على أحدهما دون الآخر. لأنك أن وكدت الكلام فيه فقد أعطيت
المعنى حقه. وإن لم تؤكد الكلام فيه فلأنه لا يحتاج إلى توكيد لبيانه وظهوره، وإذا كان المعنى المقصود خافياً ليس بظاهر ولا معلوم. فالأولى توكيد أحد الضميرين فيه بالآخر ليقرره ويكسبه وضوحاً وبياناً. ألا ترى إلى قوله تعالى في حق موسى ﵇: (قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى). فإنه لما كان ظهور موسى على السحرة وقهره لهم أمراً مستتراً في ضمن الغيب، لا يعلم ولا يعرف وأراد الله ﷿ أن يخبره بذلك؛ ليذهب عنه الخوف والحذر، أني بالأبلغ من الكلام، ليكون ذلك أثبت في نفس موسى، وأقوى دليلاً عليه في انتفاء الخوف عنه فوكد الضمير المتصل بالمنفصل. فجاء المعنى كما ترى. ولو قال (إنك الأعلى) أو (فأنت الأعلى)، لكان ذلك أيضاً إخباراً لموسى بنفي الخوف عنه، واستظهاره على السحرة، ولكن ليس له من التقرير في نفس موسى ما لقوله: (إنك أنت الأعلى). فاعرف ذلك وقس عليه.
وعلى نحو من هذا قوله تعالى: (قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين). فإن إرادة السحرة الإلقاء قبل موسى ﵇ لم تكن معلومة عنده. لأنهم لم يصرحوا بما في أنفسهم من ذلك، لكنهم لما عدلوا عن مقابلة خطابهم لموسى بمثله إلى ما هو توكيد مما هو لهم، بالضمير المتصل بالمنفصل، علم أنهم يريدون التقدم عليه والإلقاء قبله، لأن
من شأن مقابلة خطابهم لموسى بمثله أن كان، قالوا: إما أن تلقي وإما أن تلقى. لتكون الجملتان متقابلتين. فحيث قالوا عن أنفسهم (وإما أن نكون نحن الملقين) استدل بذلك على رغبتهم في الإلقاء قبله.
وهذه معان لطيفة ورموز غامضة لا ينتبه لها إلا الفطن اللبيب، فاعرفها.
النص من طبعة مطبعة المجمع العلمي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع