تجاوز إلى المحتوى

من «الجامع الكبير» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)

النوع السابع من الباب الأول من الفن الثاني في الكناية والتعريض

اعلم أن لهذا النوع من الكلام موقعاً شريفاً، ومحلاً كريماً. وهو مقصور على المليل مع المعنى، وترك اللفظ جانباً. وذلك نوع من علم البيان لطيف. وقد تكلم جماعة المؤلفين في هذا الفن فوجدتهم قد خلطوا الكناية بالتعريض، ولم يفرقوا بينهما، بل أوردوا لهما (أمثلة) من النظم والنثر، وأدخلوا أحد القسمين في الآخر، فذكروا للكناية أمثلة من التعريض، وللتعريض أمثلة من الكناية، فمنهم أبو محمد بن سنان الخفاجي، وأبو هلال العسكري، والغانمي. فأما ابن سنان، فإنه ذكر في كتابه قول امرئ القيس:

فصرنا إلى الحسنى ورق كلامهاورضتُ فذلّت صعبة أي إذلال

وهذا مثال ضربه للكناية عن المباضعة، وهو مثال للتعريض. وسنورد لك أيها الناظر في كتابنا فرق ما بين الكناية والتعريض، وتمييز أحدهما عن الآخر، ونعرف كلا منهما على انفراده فنقول:

أما الكناية فهي: أن تذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له كما كنى الله تعالى عن الجماع:

(باللمس) فإن حقيقة (اللمس) هي (الملامسة) يقال: لمست الشيء إذا لامسته، ولما كان الجماع (ملامسة بالأبدان وزيادة أمر آخر) أطلق عليه اسم: (اللمس) مجازاً. وضد الكناية التصريح.

وأما التعريض: فهو أن تذكر شيئاً يدل على شيء لم تذكره وأصله: التلويح من عرض الشيء؛ أي من جانبه، وأعلم أن (بيت) امرئ القيس الذي ذكره ابن سنان الخفاجي مثالا للكناية، هو عين التعريض، فإن غرضه من ذلك أن يذكر الجماع، غير إنه لما استقبح ذكره لم يذكره بل ذكر كلاماً آخر، ودل به عليه؛ لأن المصير إلى الحسنى ورقة الكلام، لا يفهم منهما ما أراده امرؤ القيس من المعنى، وذلك مما لا خفاء به، فاعرفه.

وحيث فرقنا بين الكناية والتعريض، وميزنا كلاً منهما عن الآخر، فلنفصلهما

ونذكر أقسامهما، ولنبدأ أولاً بالكناية فنقول:

اعلم أن الكناية على ضربين: أحدهما ما يحسن استعماله (والآخر ما يقبح استعماله)، وهو عيب في صناعة التأليف. فأما الضرب الأول الذي يحسن استعماله فإنه ينقسم إلى أربعة أقسام:

النص من طبعة مطبعة المجمع العلمي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الجامع الكبير»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.