من «الجامع الكبير» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)
الأول: التمثيل
وهو التشبيه على سبيل الكناية، وذلك أن تراد الإشارة إلى معنى، فتوضح ألفاظ (تدل) على معنى آخر، وتكون تلك الألفاظ وذلك المعنى مثالاً للمعنى الذي قصدت الإشارة إليه والعبارة عنه كقولنا (فلان نقي الثوب). أي منزه عن العيوب.
وللكلام بها، فائدة لا تكون لو قصدت المعنى بلفظه الخاص، وذلك لما يحصل للسامع من زيادة التصور للمدلول عليه؛ لأنه إذا صور نفسه مثال ما خوطب به كان أسرع إلى الرغبة فيه أو الرغبة عنه. فمن بديع التمثيل قوله تعالى: (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا). فأما تمثيله الاغتياب بأكل لحم إنسان آخر مثله، ثم لم يقتصر على ذلك حتى جعله لحم الأخ ولم يقتصر على لحم الأخ حتى جعله ميتاً ثم جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولاً بالمحبة،
وهذه أربع دلالات واقعة على ما قصدت له مطابقة المعنى الذي وردت لأجله فشديد المناسبة جداً، وذلك لأن الاغتياب، إنما هو ذكر مثالب الناس وتمزيق أعراضهم (وتمزيق العرض) مماثل لأكل (الإنسان) لحم من يغتابه، لأن أكل اللحم فيه تمزيق لا محالة.
وأما قوله (لحم أخيه) فلما في الاغتياب من الكراهة، لأن العقل والشرع معاً قد أجمعا على استكراهه وأمرا بتركه، والبعد عنه. ولما كان كذلك جعل بمنزلة لحم الأخ في كراهته. ومن المعلوم أن لحم الإنسان مستكره عند إنسان آخر مثله، إلا إنه لا يكون مثل كراهته (لحم) أخيه، فهذا القول مبالغة في استكراه الغيبة، لا أمد
فوقها.
وأما قوله (ميتاً) فلأجل أن المغتاب لا يشعر بغيبته، ولا يحس.
وأما جعله ما هو في الغاية من الكراهة موصولاً بالمحبة، فلما جبلت عليه النفوس من الميل إلى الغيبة والشهوة لها. مع العلم بأنها من أذم الخلال، ومكروه الأفعال، عند الله تعالى والناس.
فانظر أيها المتأمل لهذا التمثيل كيف مطابقته لما مثل به تجده من أبلغ التمثيلات وأندرها مثالا، لأنك متى نظرت إلى كل واحدة من تلك الدلالات الأربع، التي أوردناها رأيتها مناسبة لما قصدت له؛ فتمزيق العرض مثل أكل الإنسان لحم من يغتابه؛ لأن ذلك تمزيق على الحقيقة، و (جعل بمنزلة) لحم الأخ لأجل المبالغة في الكراهة. و (الميت) لامتناع الإحساس به. واتصال ما هو مستكره بالمحبة لما في طبع الأنفس من الشهوة للغبية والميل اليها، فاعرف ذلك.
ومن هذا القسم قوله - تعالى - (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط) فمثل البخل بأحسن تمثيل لأن البخيل، لا يمد يده بالعطية، كالمغلول الذي لا يستطيع أن يمد يده. وإنما قال: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك) ولم يقل (ولا تجعل يدك مغلولة) من
غير العنق، لأنه قال (ولا تبسطها كل البسط) فكأنه أراد، ولا تجعل يدك مغلولة كل الغل ولا تبسطها كل البسط، فناب ذكر العنق عن قوله (كل الغل)، لأن غل اليد إلى العنق، هو أقصى الغايات التي جرت العادة بغل اليد إليها.
ومن أمثال العرب (إياك وعقيلة الملح) وذلك تمثيل للمرأة الحسناء، في منبت السوء، لأن عقيلة الملح هي الدرة. ومن التمثيل قول ابن الدمينة:
أَبيني أفي يُمنى يَدَيْك جَعلتِنيفَاْفْرَحَ أَمْ صَيَّرتني في شِمالِكِ؟
فذكر اليمين، وجعلها مثالاً لإكرام المنزلة، وذكر الشمال وجعلها مثالاً لهوان
المنزلة؛ لأن اليمين أشرف منزلة من الشمال أو أكرم محلاً.
وفي القرآن العزيز ما يدل على ذلك، وهو قوله تعالى: (وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود...) الآية فلما جاء إلى ذكر الشمال قال تعالى: (وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال) الآية، فاعرف ذلك وقس عليه.
النص من طبعة مطبعة المجمع العلمي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع