تجاوز إلى المحتوى

من «الجامع الكبير» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)

النوع السابع من الباب الثاني في تكرير الحروف

اعلم أن هذا النوع لا يتعلق بتكرير الألفاظ ولا تكرير المعاني مما سبق ذكره في باب التكرير، لأن تكرار الحروف هو أن يأتي حرف واحد أو حرفان في كل لفظة من ألفاظ الكلام أو في أكثرها، فيثقل على اللسان النطق بها، فمن ذلك ما أشده الجاحظ:

وقبر حربٍ بمكان قفرٍوليس قُربَ قبر حربٍ قبر

ألا ترى إلى هذه الراءات، والقافات التي في هذا البيت من الشعر؟ فإنها في تتابعها كالسلسلة، ولا خفاء بما على الناطق بها من الكلفة، وليس الكلام العاري من ذلك بمعوز ولا بعزيز، ولا هو بالذي لا يستطيعه إلا الشاعر المبرز أو الكاتب المفلق بل هو مما يصعب النطق به. ولذلك كان الكلام الناس في محاوراتهم،

ومكاتباتهم، خالياً من هذا القبيل، وذلك لأنه لا يحصل إلا بالتكلف والقصد للإتيان به، فأما إذا أرسل الإنسان نفسه على سجيتها، وخلى بينها وبين طبعها فإنه لا يعرض له ذلك. فليت شعري أي أمر يضطر مؤلف الكلام حتى يأتي به مستكرهاً ثقيلاً على اللسان، ويترك ما هو أسهل عليه.

ألم تعلم أن العرب الذين هم الأصل في هذه اللغة قد عدلوا عن تكرار الحروف في كثير من كلامهم؟ وذاك أنه إذا تكررت الحروف عندهم أدغموها استحساناً، فقالوا: في جعل لك. (جعل لك) وفي تضربونني (تضربوني). وكذلك (استعد فلان للأمر) إذا تأهب له والأصل فيه (استعدد)، (واستتب الأمر) إذا تهيأ وكمل (وأصله استتبب) وأشباه هذا كثيرة في كلام العرب، حتى إنهم لشدة كراهتهم لتكرار الحروف أبدلوا أحد الحرفين، لما تكرر، حرفاً آخر غيره فقالوا: أمليت الكتاب) والأصل من ذلك (أمللت) فأبدلوا

(اللام) ياء طلبا للخفة على اللسان، وفراراً من الثقل والاستكراه.

واعلم أن ورود الإدغام في هذه اللغة أقوى دليل على كراهة العرب لتكرار الحروف وفيما أشرنا إليه كفاية للمتأمل، فاعرفه.

وحيث انتهى بنا الكلام إلى هذا المقام، وفرغنا من جميع الأنواع في علم البيان والأقسام، فلنجعل خاتمة حمد الله على توفيقه، والهداية إلى أقوم طريقة، ونرغب إليه في العصمة من الزلل، والإرشاد في القول والعمل، فإن عثر الناظر في كتابنا هذا على سقطة، أو وقع في أثنائه على هفوة أو غلطة، فليغض عنها إغضاء الصافح، وليسترها ستر المتجاوز المسامح، فإن الكريم من ستر العورة، وأقال العثرة.

تم الكتاب بمنه تعالى

وقد كتب في آخره:

وكان الفراغ من تحرير هـ نهار الثلاثاء عشرين (كذا) من شهر شوال سنة ألف وثلاثمائة وأربعة عشر هجرية (كذا)، على نبينا أفضل الصلاة والسلام وأزكى التحية ونقل هذا الكتاب على ذمة الكتبخانة الخديوية، بخط الفقير الحقير محمود صالح، غفر الله له ولوالديه وللمسلمين، والحمد لله رب العالمين، آمين.

النص من طبعة مطبعة المجمع العلمي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الجامع الكبير»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.