تجاوز إلى المحتوى

من «الجامع الكبير» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)

النوع السادس من الباب الثاني في إتلاف صيغ الألفاظ

وهو من صناعة التأليف بمنزلة علية ومكانة شريفة

اعلم أن الألفاظ إذا نقلت من أسلوب إلى أسلوب كنقلها من الواحد إلى الجمع أو إلى التثنية، أو إلى التأنيث أو إلى غير ذلك انتقل حسنها وصار قبحاً، أو قبحها وصار حسناً. دليل ذلك؛ أن التاء التي تزاد في آخر الاسم للفرق في الصفة نحو: مقعد ومقعدة. ألا ترى إلى لفظة (مقعد) الدالة على مكان الجلوس تجمع على مقاعد، ولفظة (مقعدة) الدالة على المحل المخصوص من الحيوان تجمع على (مقاعد) أيضاً؛ فإذا وردت هذه اللفظة أعني (مقاعد) في الكلام، والمراد جمع (مقعد) استقبحت لمماثليها لجمع (مقعَدة) وذلك مما يكره ذكره؛ وإذا وردت منفردة برأسها لم تستقبح ولا تستكره، قال الله تعالى: (في مقعد صدق عند مليك مقتدر). ولأجل ذلك لما جاءت لفظة (مقاعد) في القرآن الكريم أضيفت إلى ما لا يحتمل معه الاستقباح، فقال جلّ وعلا: (وإذ غدوت من أهلك تبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال) ولولا إضافة مقاعد إلى القتال لا ستقبح إيرادها هاهنا. وهذا لا يخفى على من له أدنى معرفة بهذه الصناعة، إلا أن هذا المثال الذي مثلناه لا يطرد فيما هذا سبيله، وإنما يقع في بعض الألفاظ دون بعض، وقد نبهنا عليه في كتابنا ليعرف محله من التأليف.

ومن ذلك أيضاً ما أشرنا إليه في صدر الكتاب في باب الألفاظ المركبة وهو أنك ترى

بعض الألفاظ تروقك في كلام ما، وتزداد بها إعجاباً واستحساناً، ثم تراها في كلام آخر فتثقل عليك وتستكرهها؛ مثال ذلك: أن لفظة (الأخداع) قد وردت في بيتين من الشعر، وهي في أحدهما لائقة حسنة، وفي الآخر ثقيلة مستكرهة، كقول الصمة بن عبد الله:

تلفتّ نحو الحيَّ حتى كأننيوَجِعت من الإصغاء (ليتا) وأخدعا

وكقول أبي تمام:

يا دهر قومّ من أخدعيك فقدأضججت هذا الأنام من خرقك
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «كانت صروف الزمان من فرقك»

ألا ترى أنه قد وجد لهذه اللفظة في بيت أبي تمام من الثقل على النفس والكراهة أضعاف ما وجدلها في بيت الصمة بن عبد الله من الروح والخفة والإيناس والبهجة!؟ وهذا ما لا يمكن النزاع فيه لظهوره، وليس سبب ذلك إلا ما أشرنا إليه من اختلاف الصيغة؛ ألا ترى أن لفظة (الأخداع) قد جاءت هاهنا موحدة ومثناة، وهي حسنة في حالة الانفراد، مستكرهة في حالة التثنية.

وقد يكون ذلك لأمر يرجع إلى التركيب إلى الألفاظ، وذلك أن يكون التركيب مختل النظام، مضطرب الترتيب فتجيء ألفاظه عند ذلك مستكرهة، مستثقلة، لكونها واردة في غير أماكنها، وإن كانت من حيث انفرادها حسنة لائقة. وقد تقدم الكلام على ذلك في باب تركيب الألفاظ، فاعرفه.

النص من طبعة مطبعة المجمع العلمي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الجامع الكبير»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.