تجاوز إلى المحتوى

من «الجامع الكبير» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)

النوع الرابع من الباب الثاني في لزوم ما لا يلزم

وهو نوع من أشق هذه الصناعة مذهبا، وأوعرها طريقاً، لأن المؤلف يلزم في تأليفه مالا يجب عليه ليدل به على قوته في الصنعة، واتساع باعه فيها، وانطلاق عنانه.

وقد جمع أبو العلا (أحمد بن) عبد الله بن سليمان في ذلك فيه الجيد

الذي لا مطلع فوقه، والرديء الذي لا مهوى تحته، وسنذكر من ذلك طرفاً.

واعلم أن حقيقة هذا النوع هي: أن تكون الحروف التي قبل رويّ الأبيات من الشعر حرفاً واحداً، وهذا أيضاً موجود في موجود في فواصل الكلام المنثور. ومن أراد معرفة ذلك والاطلاع عليه، فليطلبه من كتاب (اللزوم) لأبي العلاء، وغيره من الكتب المؤلفة في هذا الفن، فإن كتابنا هذا ليس موضوعاً لشرح هذه الأسباب، وإنما وضع لمن عرف الأصل فيها، فنبين له نحن الجيد منها والرديء ونفرق بينهما، ليعلم أين يضع يده في استعمال ذلك واطراحه.

فمهما جاء في هذا الباب قولي في حصار قلعة: (فلما رأونا بساحتهم حاضرين، ولهم في عقر دارهم حاصرين، وهم من بأسنا حذرين، تنادوا: الاساء صباح المنذرين).

ألا ترى إلى الفقرتين الآخرتين كيف قد لزم فيهما (الذال والراء) نحو (حذر ومنذر)، وأما الفقرتان الأوليان فليستا من هذا القبيل، لأنه يجب أن يكون بازاء (حاضر) كلمة أخرى في آخرها ضاد وراء، إلا أن ذلك كأنه شبيه بما لا يلزم، والسبب فيه ورود الياء والنون المختصة بالجمع بعد الراء، ولو كان هذا معتبراً

في لزوم ما لا يلزم، لوجب أن يكون التأثير للياء والنون، من غير نظر إلى ما قبلهما. وعلى هذا التقدير فلو قال القائل (فلما رأونا بساحتهم نازلين، ولهم في عقر دارهم حاصرين)، لكان ذلك من باب لزوم ما لا يلزم. وهذا مما لم يذهب إليه أحد. وإنما الأصل ما أشرنا إليه أولا فاعرفه.

واعلم أنه متى صغرت الكلمة الأخيرة من الشعر والكلام المنثور، وجب أن يصغر الباقي اتباعاً للوزن. فمن ذلك قولُ بعضهم:

عزّ على ليلى بذي سُدَيرسوءُ مَبيتي ليلة الغُميَر
مقبضاً نفسي في طُميرتنتهض الرعدة في ظهيري
يهفو إلي الزّورُ من صديريظمآن في ريح وفي مُطير
وأزرقي ليس بالقديرمن لد ما ظهر إلى سحير
حتى بدت لي جبهة القميرلأربع خلون من شهير

ألا ترى هذا الشاعر، كيف لزم التصغير في هذه الأبيات جميعها؟ فإن ذلك من محاسن الصنعة فاعرفه.

واعلم أنا لا نبعث المؤلف على استعمال هذا القسم من الكلام حتى يجيء به متكلفاً وحشياً فيكون قد قصد جودة الصنعة وإظهار القدرة عليها، والقوة فيها، فيلقيه ذلك فيما يستكره من الألفاظ، وتعافه الأسماع. وما مثل المتكلف لهذا الضرب من الكلام حتى يأتي به في صورة قبيحة، إلا مثل الصائغ الذي يأخذ مصوغاً ردياً فيجيد فيه عمله، ويخرج فيه بديع صنعته فيكون عند ذلك قد رعى الفرع، وأهمل الأصل، فتذهب جودة الصنعة فيه رداءة المصوغ.

وأما إذا أتى المؤلف بهذا الضرب من الكلام غير متكلف ولا وحشي كان له رونق وطلاوة، وقد استعمل ذلك أبو العلا المعري في كتابه فأتى منه بشيء ينبو عنه الطبع كقوله في قافية التاء مع الخاء:

بِنتُ عن الدنيا ولا بنت ليفيها ولا عرسٌ ولا أُختُ
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «بنت عن الدنيا ولا بنت لي»
وقد تحملتُ من الوزر ماتعجز أن تحمله البُخت
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «بنت عن الدنيا ولا بنت لي»
إن مدحوني ساءني مدحهموخلت أني في الثرى سُخت
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «بنت عن الدنيا ولا بنت لي»

وقال في الخاء المضمومة مع الباء:

لا يفقدن خيركم مجانسكمولا تكونوا كأنكم سَبَخُ
ولا كقوم حديث يومهمما (أكلوا) أمسهم وما طبخوا
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «لا يفقدن خيركم مجالسكم»

وأمثال هذا كثيرة في كتابه، وله من ذلك البديع النادر الذي تتقاصر دونه الفصحاء كقوله:

ليل بلا نور أجن بمهمهحبس الأدلة ليس فيه منار
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «يا ظالما عقد اليدين مصليا»
وهي الحياة؛ فعفة أو فتنةثم الممات فجنة أو نار
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «يا ظالما عقد اليدين مصليا»

وقال:

يلقاك بالماء النمير الفتىوفي ضمير النفس نارٌ تَقِد
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «يلقاك بالماء النمير الفتى»
يعطيك لفظاً ليناً مسُّهُومثل حد السيف ما يعتقد
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «يلقاك بالماء النمير الفتى»

وقال أيضاً:

تنازع في الدنيا سواك ومالهولا لك شيء في الحقيقة فيها
ولكنها ملك لربٍ مقدّريعير جنوب الأرض مرتد فيها
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «تنازع في الدنيا سواك وما له»
ولم تحظ في ذاك النزاع بطائلمن الأمر إلا أنْ تعد سفيها
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «تنازع في الدنيا سواك وما له»
أيا نفس لا تعظم عليك خُطوبهافمتفقوها مثل مختلفيها
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «تنازع في الدنيا سواك وما له»
تداعوا إلى النزر القليل فجالدواعليه وخلَّوها لمغترفيها
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «تنازع في الدنيا سواك وما له»
وما أمُّ صل أو حليلة ضيغمبأظلم من دنياك فاعترفيها
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «تنازع في الدنيا سواك وما له»
تلاقي الوفود القادميها بفرحةوتبكي على آثار منصرفيها
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «تنازع في الدنيا سواك وما له»
ولم يتوازن في القياس نعيمهاوسيئة أودت بمقترفيها
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «تنازع في الدنيا سواك وما له»
وما هي إلا شاكية ليس عندهاوجدَّك أرطابٌ لمخترفيها
كما نبذت للطير والوحش رازمفالقت شروراً بين مختطفيها
تناءت عن الإنصاف من ضيم لم يجدسبيلاً إلى غايات منتصفيها
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «تنازع في الدنيا سواك وما له»
فأطبق فماً عنها وكفاً ومقلةًوقل لغوي الناس فاك لفيها
كأن التي في الكأس يطفو حبابهاسمام حباب عند مرتشفيها
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «تنازع في الدنيا سواك وما له»

وله من جملة قصيدة:

أرى الدنيا وما وصفت ببرإذا أغنت فقيراً أوهقته
إذا خُشيت لشر عجلتهوإن رُجيت لخير عوقته
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «أخوك معذب يا أم دفر»
حياة كالحبالة ذات مكرونفس المرء صيدٌ أعلقته
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «أخوك معذب يا أم دفر»
وأنظر سهمها قد أرسلتهإلي بنكبة أو فوقته
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «أخوك معذب يا أم دفر»
فلا يُخدع بحليتها أديبوإن هي سورته ومنطقته
أذاقته شهياً من جناهاوصرت فاه عما ذوقته
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «أخوك معذب يا أم دفر»

وأمثال هذه كثيرة في شعره، فاعرفها فإنها من محاسن لزموا ما لا يلزم.

وعليك أيها المنتصب لاستعمال هذا النوع من الكلام أن تسلك هذا المذهب القويم وتنهج هذا اللقم الواضح، غير متصيد له ولا مكثر منه حتى تخل بالمعنى المندرج تحته وتذهب برونقه وطلاوته. وقد ورد من هذا الباب قول طرفة بن العبد:

ألم تر أن المال يكسب أهلهُنضوحاً إذا لم تعط منه نواسبه
أرى كل مال لا محالة ذاهباًوأفضله ما ورث الحمدَ كاسبهْ

ألا ترى ما أحسن هذا الأسلوب، وألطف مأخذه، وعلى متنه ينبغي أن يكون الاستعمال فاعرفه.

النص من طبعة مطبعة المجمع العلمي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الجامع الكبير»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.