من «إعتاب الكتاب» لابن الأبار (ت ٦٥٨هـ)
إبراهيم بن أبي عبلة
حكى ابن عبدوس أن هشام بن عبد الملك أحضره قال: وتقلد
الخاتم لمروان بن محمد بعد فقال له: إنا عرفناك صغيراً، وخبرناك كبيراً، وأُريد أن أخلطك بحاشيتي، وقد وليتك خراج مصر؛ فأبى عليه، وقال: ليس الخراج من عملي ولا أُبصره! فغضب هشام، فأمسك عنه حتى حبس غضبه، ثم قال أتكلم يا أمير المؤمنين؟ فقال له: قل، فقال: يقول الله ﷿ " إنّا عَرضْنا الأمانَةَ على السمواتِ والأرضِ والجبالِ ... " الآية، فوالله ما أكرهها، ولا سخط عليها؛ فقال: أبيت إلا دفعاً! وأعفاه ورضي عنه.
وروى أبو نعيم الأصبهاني الحافظ هذا الخبر بإسناده إلى إبراهيم بن أبي عبلة فقال: بعث إلي هشام بن عبد الملك فقال لي: يا إبراهيم إنا عرفناك صغيراً واختبرناك كبيراً فرضينا سيرتك وحالك، وقد رأيت أن أخلطك بنفسي وخاصتي وأُشركك في عملي، وقد وليتك خراج مصر؛ قال: فقلت: أما الذي عليه رأيك يا أمير المؤمنين، فالله يجزيك ويثيبك، وكفى بك جازياً ومثيباً، وأما الذي أنا عليه، فمالي بالخراج بصر، ومالي عليه قوة! قال: فغضب حتى اختلج وجهه، وكان في عينيه قبل، فنظر إلي نظراً منكراً،
ثم قال: لتلين طائعاً أو لتلين كارهاً؛ فأمسكت عن الكلام، حتى رأيت غضبه قد انكسر، وسورته قد طفئت، فقلت: يا أمير المؤمنين، أتكلم؟ قال: نعم؛ قلت: إن الله بسبحانه وبحمده قال في كتابه " إنّا عَرضْنَا الأَمانةَ على السمواتِ والأرضِ والجبال إلى منها " فوالله يا أمير المؤمنين ما غضب عليهن إذ أبين، ولا أكرههن إذ كرهن، وما أنا بحقيق أن تغضب علي إذ أبيت، ولا تكرهني إذ كرهت! قال: فضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: يا إبراهيم قد أبيت إلا فقهاً! قد رضينا عنك وأعتبناك.
وإبراهيم هذا شامي تابعي، لمالك عنه حديث واحد في الموطأ وإرساله كما ورد أصح من إسناده.
النص من طبعة مجمع اللغة العربية بدمشق (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع