تجاوز إلى المحتوى

من «إعتاب الكتاب» لابن الأبار (ت ٦٥٨هـ)

إبراهيم بن محمد بن المدبر أخوه

قال الصولي: كان إبراهيم بن المدبر رجلاً جليلاً عالماً شاعراً، لا يدانيه في ذلك كله أحد، وخدم المتوكل وكانت له عنده حظوة.

وقال أبو الفرج الأصبهاني: سعى به عبيد الله بن يحيى لانحرافه عنه،

ونفاسته عليه ومخالفته فيه رأي المتوكل، فادعى على أخيه أحمد بن المدبر مالاً جليلاً، ذكر أنه عند إبراهيم، وأوغر صدر المتوكل عليه، حتى أذن له في حبسه، وكان من وجوه كتاب العراق ومتقدميهم، فقال من قصيدة يخاطب بها أبا عبد الله ابن حمدون ويستنهضه لتذكير الفتح بن خاقان بأمره:

يأبن حمدونٍ فتى الجود الذيأنا منه في جنى وردٍ جني
ما الذي ترقبه أم ما ترىفي أخٍ مضطهدٍ مرتهن
وأبو عمران موسى حنقٌحاقدٌ يطلبني بالإحن
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
وعبيد الله أيضاً مثلهونجاحٌ فمجدٌّ لا يني
ليس يشفيه سوى سفك دميأو يراني مدرجاً في كفن
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
والأمير الفتح إن أذكرتهحرمتي قام بأمري وعني
فأل صدقٍ حين أدعو باسمهوسرورٍ حين يعرو حزني
ظفر الأعداء بي عن حيلةٍولعل الله أن يظفرني

ولج عبيد الله فلم يكن لأحد في خلاصه معه حيلة حتى استغاث بمحمد بن عبد الله بن طاهر، وقال فيه من قصيدة:

دعوتك في كربٍ فلبّيت دعوتيولم تعترضني إذ دعوت المعاذر
إليك وقد حلّئت أوردت همتيوقد أعجزتني عن همومي المصادر
نمى بك عبد الله في العز والعلاوحاز لك المجد المؤثّل طاهر
فأنتم بنو الدنيا وأملاك شرقهاوساستها والأعظمون الأكابر
مآثر كانت للحسين ومصعبٍوطلحة لا يحوي مداها المفاخر
إذا بذلوا قيل الغيوث البواكروإن غضبوا قيل الليوث الهواصر
تعظّمكم يوم اللّقاء البواتروتزهى بكم يوم المقال المنابر
فما لكم غير الأسرّة مجلسٌوما لكم غير السيوف مخاصر

إلى أن يقول فيها:

ولي حاجةٌ إن شئت أحرزت مجدهاوسرّك منها أولٌ ثم آخر
كلام أمير المؤمنين وعطفهفمالي بعد الله غيرك ناصر
فإن ساعد المقدار فالصفح واقعوإلاّ فإني مخلص الودّ شاكر

فعزم على تخليصه، ولم يلتفت إلى عبيد الله، وبذل أن يتحمل في ماله كل ما يطالب، فأعفاه المتوكل من ذلك ووهبه له. وكان إبراهيم يقول: نكبنا نكبةً من نكباتنا، فسقط من إخواننا من كنا نجعل من أهل الود، فكتبت إلى بعضهم:

وصديقٍ تراه حلواً أنيقامؤنساً ملطفاً حفيّاً شفيقا
ثم لمّا رماني الدهر بالغلظة منه صار البعيد السحيقا

وولي إبراهيم بعد ذلك البصرة والأهواز، وأسره صاحب الزنج، فهرب منه، ووزر للمعتمد، ثم طلب، واستخفى، فظفر به وحبس، إلى أن رضي الموفق عنه؛ وكان المعتمد يقول: ما استوزرت بعد عبيد الله بن يحيى وزيراً أرضاه غير الحسن بن مخلد وإبراهيم بن المدبر.

وقصته مع المتوكل تشبه قصة عثمان بن عمارة بن خريم المري، خرج عليه

خمس مائة ألف وسبعون ألفاً، فحبس، فدخل عليه يزيد بن مزيد فقال: أحملها إليك؟ فقال: يعدل حملها إلي أبيات شعر تحملها إلى أمير المؤمنين الرشيد عني! فقال: وما هي؟ فأنشده:

أغثني أمير المؤمنين بنظرةٍتزول بها عني المخافة والأزل
فعفوك أرجو لا البراءة جاهداًأبى الله إلاّ أن يكون لك الفضل
فإلاّ أكن أهلاً لما أنا طالبٌفأنت أمير المؤمنين له أهل

قال: فعرضها على الرشيد، فأسقط ما كان عليه.

النص من طبعة مجمع اللغة العربية بدمشق (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «إعتاب الكتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.