من «غرر الخصائص الواضحة» للوطواط (ت ٧١٨هـ)
وقد اخترت من مدام المتغفلين مما حسن وراق
درراً ضمنتها أصداف هذه الأوراق ذم أبو عبيدة معمر بن المثنى كيسان مستمليه وقد أملى عليه شيأً فعجز عن إدراكه فقال والله ما فهم ولو فهم لوهم وقال الجاحظ كان كيسان مستملي أبي عبيدة يكتب غير ما يسمع ويستفتي غير ما يكتب ويقرأ غير ما يستفتي أمليت عليه يوما
عجبت لمعشر عدلوابمعتمر أبا عمرو
فكتب أبا بشر واستفنى أبا زيد وقرأ أبا حفص وسأله أبو عبيدة عن رجل من شعراء العرب ما اسمه فقال هو خداش أو خراش أو رياش أو خماش أو شيء آخر وأظنه قرشياً فقال له أبو عبيدة من أين علمت أن نسبه في قريش قال رأيت اكتناف الشينات عليه من كل جانب وذكر الجاحظ عنه أنه شهد على رجل عند بعض الولاة فقال سمعت بأذني وأشار إلى عينه ورأيت بعيني وأشار إلى أذنه إنه أمسك بتلابيب هذا الرجل وأشار إلى كمه وما زال يضرب خاصرته وأشار إلى فكه فضحك الوالي وقال أحسبك قرأت كتاب خلق الانسان على الأصمعي قال نعم مرتين وذم بعض البلغاء فدما فقال لا يفهم ولا يفهم وينقض ما يبرم ولا يعلم ولا يتعلم ويستصغر من يتعلم وسأل أبو عون رجلاً عن مسئلة فقال على الخبير بها سقطت سألت عنها أبي فقال سألت عنها جدك فقال لا أدري وقالوا فلان يسمع غير ما يقال ويحفظ غير ما يسمع ويكتب غير ما يحفظ ويقرأ غير ما يكتب وقالوا فلان ذو بصيرة عمياء عند تأمل الثواقب وتجربة صماء عند تشابه النوائب وقال شاعر يهجو رجلاً
جهول غاص في لحم وشحمولم ينسب إلى عقل وفهم
إذا لبس البياض فعدل جصوإن لبس السواد فعدل فحم
وممن تقاصر فهمه عن إدراك الصواب البادي فتطاول بذمه لسان الحاضر والبادي أحمد بن الخصيب وزير المستنصر ووزر أيضاً للمستعين عمل أبو العيناء كتاباً في ذمه حكى فيه إن جماعة من الفضلاء اجتمعوا في مجلس وكل منهم يكره ابن الخصيب لما كان فيه من الفدامة والجهالة والتغفل فتجاذبوا أطراف الملح في ذمه فقال علي بن بسام كان جهله غامراً لعقله وسفهه قاهراً لحلمه وقال لمعرة الرابض لو كان دابة لتقاعس في عنانه وحرن في ميدانه وقال آخر كنت إذا وقع لفظه في سمعي أحسست النقصان في عقلي وقال بعض كتابه كنت أرى قلم ابن الخصيب يكتب بما لا يصيب ولو نطق لنطق بنوك عجيب وقال إبراهيم بن المدبر كنت يوماً عنده فقدم الطعام وفيه هليون فأكب عليه فقلت له أراك راغباً في الهليون فقال إنه يزيد في الباه وسئل عنه أبو العيناء بعد هذا التصنيف فقال إن دنوت منه غرك وإن بعدت عنه ضرك فحياته لا تنفع وموته لا يضر وقال آخر لو غابت عنه العافية لنسيها وكان ابن الخصيب إذا ناظر شعب وحلب وربما رفس من ناظره إذا أفحم عن الجواب وخفي عنه الصواب واستولت عليه البلادة وعرى كلامه عن الافادة وفيه يقول محمد بن الفضل
قل للخليفة يا ابن عم محمدأشكل وزيرك إنه ركال
قد أحجم المتظلمون مخافةمنه وقالوا ما نروم محال
ما دام مطلقة علينا رجلهأو دام للنزق الجهول مقال
قد نال من أعراضنا بلسانهولرجله بين الصدور مجال
أمنعه من ركل الرجال فإن تردمالاً فعند وزيرك الأموال
وحكي عنه أنه رأى جراداً كثيراً يطير فقال لجلسائه لا تغتموا إني أحسبه كأنه ميت وفيه يقول بعض الشعراء يهجوه من أبيات
حمار في الكتابة يدعيهاكدعوى آل حرب في زياد
فخل عن الكتابة لست منهاولو لطخت ثوبك بالمداد
وقد هجا أبو العيناء أسد بن جوهر ونحا فيه هذا المعنى فقال
تعس الزمان لقد أتى بعجابومحا رسوم الظرف والآداب
وافى بكتاب لو انبسطت يديفيهم رددتهم إلى الكتاب
جيل من الانعام إلا إنهممن بينها خلقوا بلا أذناب
لا يعرفون إذا الجريدة جردتما بين عياب إلى عتاب
أو ما ترى أسد بن جوهر قد غدامتشبهاً لأجلة الكتاب
لكن يمزق ألف طومار إذاما احتيج منه إلى جواب كتاب
فإذا أتاه سائل في حاجةرد الجواب له بغير جواب
وسمعت من غث الكلام ورثهوقبيحه باللحن والاعراب
ثكلتك أمّك هبك من بقر الفلاما كنت تغلط مرة بصواب
ولآخر يهجو كاتب خراج
لو قيل كم خمس وخمس لارتأىيوماً وليلته يعدّ ويحسب
يرمي بمقلته السماء مفكراًويظل يرسم في التراب ويكتب
ويقول معضلة عظيم أمرهاولئن فهمت فإنّ فهمي أعجب
حتى إذا خدرت أنامل كفهعدّا وكادت عينه تتصوب
أوفى على نشز وقال ألا اسمعواقد كدت من طرب أجنّ وأسلب
خمس وخمس ستة أو سبعةقولان قالهما الخليل وثعلب
فيه خلاف ظاهر ومذاهبلكن مذهبنا أصح وأصوب
وخواطر الحساب فيها كثرةوأظن قولي فيهم لا يكذب
وممن كان صوابه عن غير اعتماد وخطؤه بعد ترو واجتهاد شجاع بن القاسم كاتب أو تامش التركي وكان أمياً لا يقرأ ولا يكتب ولا يفهم ولا يفهم وإنما علم علامات كان يكتبها في التوقيعات قال الحسن بن المخلد كنت يوماً عند المستعين ومعنا أو تامش إذ دخل شجاع بن القاسم وسراويله قد خرج من
خفه حتى وقع على قدمه وهو يسحبه ويدوسه فقال له المستعين ويحك يا شجاع ما هذه الحالة فقال الساعة يا سيدي داسني كلب فخرقت سراويله وثيابه فضحك المستعين وقال لا وتامش مثل هذا ينبغي أن يستعمل في الكتاب ومن ظريف ما يخبر عنه أن أحمد بن عمار عمل شعراً مختلف القوافي ولا معنى له مما يليق بفهمه وعقله متعمداً ذلك ليضحك منه اخوانه ووقف إليه وقال أيها الوزير ليس الشعر صناعتي ولكنك أحسنت إلي وإلى أهلي بما أوجب علي شكرك فعملت أبياتاً أمدحك بها فتفضل بسماعها فقال له أغناك شرفك عن التكسب بالشعر وانشاده فقال لا بد أن تتفضل وتأذن لي فأذن له فأنشد
شجاع لجاج كاتب لائب معاكجلمود صخر حطه السيل من عل
خبيص لبيص مستمر مقوّمكثير أثير ذو شمال مهذب
بليغ لبيغ كل ما شئت قلتهلديه وإن أسكت عن الأمر يسكت
فطين لطين أمره لك زاجرخصيف لصيف كل ذلك يعلم
أديب لبيب فيه فهم وعفةعليم بشعري حين أنشد يشهد
كريم حليم قابض متباسطإذا جئته يوماً إلى البذل يسمح
فسر بذلك وشكره على انشاده ووصله بعشره آلاف درهم وأجرى له ألف درهم في كل شهر وكان محموداً الوراق عنى هذا المذكور بقوله من أبيات
يا ناظراً يرنو بعيني راقدومشاهداً للأمر غير مشاهد
أو أبا تمام بقوله
ولو نشد الخليل له لعفتبلادته على فطن الخليل
أو قول هذا القائل فيه فلان لا ينتبه ولو أدخل في الكور ونفخ عليه إلى أن ينفخ في الصور وحكى الجاحظ في كتاب البيان أن المأمون كان يستقل
سهل بن هرون فدخل عليه يوماً والناس جلوس وقد أسبلوا براقع الغفلة على وجوه الفطن والفهم عنهم قد رحل والتبلد فيهم قد قطن فلما فرغ المأمون من كلامه أقبل سهل على الناس وقال مالكم تسمعون ولا تعون وتفهمون ولا تفهمون وتشاهدون ولا تتعجبون والله إنه ليقول ويفعل في اليوم القصير مثل ما يفعله بنو مروان في الزمن الطويل عربكم كعجمهم وعجمكم كعبيدهم لكن كيف يعرف الدواء من لا يشعر بالداء فاستحسن المأمون منه ذلك وأنزله منزلته الأولى وكلام سهل يحتمل مدح فصاحة المأمون وذم البلادة التي أنزلت جلساءه المنزل الدون واثباته في حقهم بالذم أوجب علينا وألزم
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع