من «غرر الخصائص الواضحة» للوطواط (ت ٧١٨هـ)
ونوادر أخبارهم المستظرفة
وواجب أن نبدأ بأخبار من أساء في التفقد والعياذة ولم يحسن خطابه في السؤال ولا الاعادة قال عامر بن شراحيل الشعبي عيادة النوكي أشد على المريض من مرضه فإنهم حمى الروح وطليعة ملك الموت دخل حمصي على عروة بن الزبير يعوده لما قطعت رجله لا لم أوجب عليه فعل ذلك من أكلة أصابتها فقال أقطعت رجلك قال نعم قال جيد قال أوجعك شديد قال نعم قال جيد ثم قال لا تغتم فإنك لو رأيت ثوابها لتمنيت إن الله قد قطع رجليك ويديك وأعمى بصرك ودق صلبك فكان مصاب عروة بعائده المزيد في نكده أكثر من مصابه بما قطع من رجله ويده وأين هذا الجلف من عيسى بن طلحة بن عبيد الله فإنه دخل على عروة هذا يعوده لما قطعت رجله فقال والله ما كنا نعدك للصراع ولا للتسباق ولكن نعدك للخير ونوالك المنساق ولئن أعدمنا الله أقلك لقد أبقى لنا أكثرك سمعك وبصرك ولسانك وعقلك ويديك وإحدى رجليك فقال يا عيسى ما عزاني أحد بمثل ما عزيتني به ودخل آخر على مريض يشكو من رأسه فقال لأهله لا ضير إذا رأيتم المريض هكذا فاغسلوا ايديكم منه وعاد آخر مريضاً فقال له ما بك قال وجع الركبة قال إن جريراً ذكر بيتاً ذهب عني صدره وبقي عجزه وهو
وليس لداء الركبتين دواء
فقال المريض ليت عجزك ذهب كما ذهب صدره وعاد آخر مريضاً فقال لأهله أجركم الله فقالوا إنه لم يمت بعد قال يموت إن شاء الله وعاد آخر مريضاً فلما خرج قال لأهله لا تفعلوا في هذا كما فعلتم بالآخر مات وما أعلمتموني به وعاد آخر مريضاً فلما خرج قال لأهله أحسن الله عزاكم فقالوا إنه لم يمت قال قد عرفت ولكني شيخ كبير لا أستطيع النهوض في كل وقت وأخاف أن يموت فأعجز عن المجئ لا عزيكم به وعاد رجل الشعبي فابرم ثم قال له ما تشتهي قال أشتهي أن لا أراك وعاد آخر مريضاً فقال له ما تشتكي قال وجع الخاصرة قال والله كانت علة أبي فمات منها فعليك بالوصية يا أخي فدعا المريض ولده وقال يا بني أوصيك بهذا لا تدعه يدخل علي بعد هذه وعاد آخر مريضاً فلما رآه أنشد متمثلاً بما أملى قلبه الغبي على لسانه العيي
تموت الصالحون وأنت حيّتخطاك المنايا لا تموت
وذكر المسعودي إن عمرو بن العاص لما قدم من مصر على معاوية أنشده هذا البيت فأجابه عمرو
أترجو أن أموت وأنت حيّولست بميت حتى تموت
دخل عبد الله بن أبي عتيق ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر على عائشة ﵂ يعودانها فقال لها كيف حالك يا عمة جعلني الله فداءك قالت في الموت قال الآن لاجعلني الله فداءك فإني كنت أظن أن في الوقت فسحة
وممن عرف بالتغافل واشتهر وفاق فيه أهل زمانه ومهر أبو عبد الله الحسين بن عبد الله الجصاص الجوهري كان رئيساً في المترفهين ورئيساً للمتجلفين وجد الجد فهو ذو جدة ويسار وعدم العقل فسيان اليمين واليسار
وكان عند المقتدر من خواص أحبته وممن له الكلمة المطاعة في دولته ثم نقم عليه فصادره فأخذ منه ستة آلاف ألف دينار وغير ذلك من مواش وأثاث وعقار ومن نفائس الأعلاق والذخائر ما لا يوجد قليله عند عقلاء الاخائر ومما يدل على كثرة ماله إن المعتضد لما عقد نكاحه على قطر الندى بنت أحمد بن طولون بعث إلى ابن الجصاص ليتولى جهازها فلما فرغ منه دخل على ابن طولون ليودعه فلم يذكر له ما صرف وكان مبلغه أربعمائة ألف دينار فسأله ابن طولون عنه فدافعه فأبى ذلك وقال لا بد منه فذكر له فقال له راجع طومارك لعلك نسيت شيأً فراجعه فإذا فيه تكك قيمتها عشرون ألف دينار لم يدخلها في حسابه فأطلق له الجميع فانطر إلى مال ينفق من عرضه أربعمائة ألف دينار وعشرون الف ديناركم يكون أصله فمن ملح أخباره وملح آثاره ما حكى إن إنساناً سئل عن صفته فقال رأيته شيخاً طويلاً طويل اللحية خفيف العارضين صغير الرأس تشهد صورته عليه بالنوك وحكى عنه إنه دخل عليه علي بن الفرات يحدثه وهو غافل عنه ساه تارة ينعس وتارة يبهت فقال له كم ذا السهو والنعاس فقال يا سيدي عندنا في المحلة كلاب لا تدعنا ننام من كثرة صياحها وهراشها فقال له ابن الفرات لم لا نأمر عبيدك تضربها فإني أحسبها جراء فقال لا تقل ذلك أيها الوزير فإن كل كلب منها مثلي ومثلك نوع منها لغيرة تغذي أبو السربال عند سليمان بن عبد الملك وهو يومئذ ولي عهد أبيه فقدم امامه جدياً وقال كل من كليته فإنها تزيد في الدماغ فقال لو كان كما يقول الأمير لكان رأسه مثل رأس البغل وقال بعضهم دخلت على ابن الجصاص يوماً والمصحف في حجره وقد بل كاغده بدموعه وأذل نفسه بتضرعه وخشوعه فسألته ما الذي دهاك وأزال بهاك فقال أكلت مع الجواري المخيض فتعديت أمر الله وخالفته وكنت لا أعرف إن الله نهى عنه وحذر منه قلت وما الذي أوصى الله به ونهى عنه وحذر منه قال أكل المخيض مع الجواري قلت وكيف قال الله في ذلك قال ألم تسمع قوله تعالى يسألونك عن المخيض قل هواذي فاعتزلوا النساء في المخيض ولا تقربوهن وقرأهما بالخاء ثم قال يا أخي هل تعرف لي من توبة أغسل بها هذه الحوبة قلت التضرع في الدعاء بالاقالة والابتهال إلى الله بصدق المقالة فقام وكشف عن رأسه وحسر عن ذراعيه ورفع يديه وقال اللهم إنك تجد من ترحمه سواي ولا أجد
من يعذبني سواك فتركته وانصرفت متعجباً من هذه الحال موقناً إن الجد لا يكون بسعي المحتال وسمع يوماً يقول في سجوده سجد لك بياضي وسوادي خاضعاً ضارعاً ماصاً لبظر أمه ومن أناهل أنا ألا عبدك وابن عبدك الزاني ابن الزانية حتى لا يغفر له ومما يشبه هذا القول لغيره ما حكى إن شعيباً العلائي كان لا يصوم ولا يصلي ويقول من أنا حتى أصوم وأصلي إنما يصلي المتكبرون الذي أريد منهم التواضع ويصوم الشباع حتى يعرفوا قدر ما فيه الجياع وكأنه اقتدى في قوله بما حكى إن الرستمي كان عنده قوم من التجار فحضرت الصلاة فنهض ليصلي فنهضوا معه فقال مالكم ولهذا وما أنتم منه الصلاة ركوع وسجود وقيام وقعود وإنما فرض الله هذا على المتجبرين والمتكبرين والملوك الأعاجم مثلي ومثل ذي الأوتاد ونمر وذو أنوشروان ولستم من هؤلاء فمالكم ولها لكنه المغرور اقتدى به في القول دون العمل وحمل أوزار الجهل وبئس والله ما حمل وأهدى ابن الجصاص إلى العباس بن الحسن الوزير نبقا وكتب معه
تفيلت بأن تبقىفأهديت لك النبقا
فكتب له الوزير ما تفيلت ولكن تبقرت
ذكر من أخطأ في سؤال أو جوابوظنّ إنّ كلامه عين الصواب
ذكر أن إنساناً كان يكثر الجلوس في حلقة الشافعي وكان ذا رواء وهيبة وكان الشافعي يجله ويكرمه فسأله يوماً أي وقت يحرم على الصائم الأكل فقال الشافعي عند طلوع الفجر قال فإن طلع الفجر بعد طلوع الشمس فقال الآن يمد الشافعي رجله ومدها ولم يحتشم منه وقال الجاحظ دخل رجل على الشعبي وبين يديه الفقهاء فقال بعدما أطال جاص أيها الشيخ إني أجد في قفاي خلة أفتري أن أحجم فقال الشعبي الحمد لله الذي رفع منزلتنا فحولنا من الفقه إلى الحجامة وأكثر ما تقع هذه النوادر من القصاص سئل بعضهم عن أربعين ماشية نصفها ضان ونصفها معز كيف نخرج زكاتها فقال يخرج عنها رأس نصفها ضان ونصفها معز وقيل بعضهم إن نصرانياً قال لا
إله إلا الله لا غير ما يجب له وعليه قال يؤخذ منه نصف الجزية ويؤمر باداء نصف ما على المسلمين من الفرائض والسنن وإن مات دفن بين مقابر اليهود والنصارى كما قال الله تعالى لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء فهو من المذبذبين وأتى بعض القصاص بنصراني يريد أن يسلم فقال قم عني أتريدون أن توقعوا بيني وبين عيسى بن مريم يوم القيامة وسئل بعض القصاص عن لوط ﵇ فقال كان رجلاً لوطياً نعوذ بالله من فعله فأنكر عليه الناس ولأمه بعض أصحابه بعد انصرافهم واعلمه أن لوطا نبي مرسل بعث إلى قوم كان ذلك القبيح فعلهم وإن لوطا نهاهم عنه فندم على ما قاله فلما كان في المجلس الآخر سئل عن فرعون فقال دعونا من حديث الأنبياء واسألوا الله السلامة قوم لا رأيناهم ولا رأونا كيف نتكلم في إعراضهم وسئل بعضهم ما تقول في خلق القرآن فقال دعونا من القرآن وهو مخلوق غير مخلوق وسئل آخر وكان ناصبياً عن معاوية فقال معاوية ليس بمخلوق لأنه كاتب الوحي والوحي ليس بمخلوق وكاتب الوحي من الوحي وحكى سعيد بن خالد اليماني قال كان عندنا قاض يسمى أبا خالد قال في دعائه يوماً يا ساتر عورة الكبش لما علم من فضله وصلاحه وهاتك عورة التيس لما علم من قذره وفجوره استر علينا وارحمنا واهتك ستر أعدائنا فقيل له وما فضيلة الكبش قال لأنه كبش إبراهيم الذي فدى به ابنه ولا يذبح في العقيقة غيره قيل له فما ذنب التيس قال يشرب بوله وينزو على الشاة التي لم تستحق النزو ويؤذي الناس بنتن ريحه ويعلم الناس الزنا وهو عيب على أصحاب اللحي يقال جاء فلان في لحية التيس وقزأ قارئ في مجلس سيفوية إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين فقال لمن حضره ارفعوا أيديكم وقولوا اللهم اجعلنا منهم وقال الفضل بن إسحق الهاشمي سمعت قاصاً وقد قرئ في مجلسه يتجرعه ولا يكاد يسيغه فقال اللهم اجعلنا ممن يتجرعه ويسيغه وكان سيفوية ممن يتلاوط فبينما هو يقص على الناس إذ أقبل جماعة صبيان حسان كأنهن الياقوت والمرجان فقال يا أصحاب قبل العدو ارفعوا أيديكم وقولوا اللهم ولنا أدبارهم وكبهم على وجوههم وأرنا سوآتهم ومكن رماحنا من ظهورهم إنك على كل شيء قدير وسيفوية بضم الفاء وفتح الياء هكذا ضبطه الأمير أبو نصر بن ماكولا في كتاب الاكمال
وممن تأخرت معرفته من الحكاموتقدم جهله في القضايا والأحكام
حكى أن علعلا لمنصور بن النعمان كتب إليه من البصرة إني أصبت سارقاً سرق نصاباً من حرز فما أصنع فيه فكتب منصور إليه اقطع رجله ودعه يكد بيديه على عياله فأجابه العامل إن الناس ينكرون هذا القول الله تعالى في القرآن والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم فكتب إليه إن القرآن نزل من السماء ونحن في الأرض والشاهد يرى ما لا يرى الغائب وتقدم رجل إلى بعض القضاة بخصم فقال إن هذا باعثي ثوباً وجدت فيه عيباً وسألته أن يقيلني فأبى فالتفت إليه القاضي وقال أقله عافاك الله فإن رسول الله ﷺ قال قيلوا فإن الشياطين لا تقيل وقيل لقاضي حمص كيف تحكم على اللوطي قال بنصف حكومة الزاني قيل له ولم قال لأن الحمار لا يحمل إلا نصف ما يحمل الجمل وهذا حكم مفهوم وادعت امرأة على زوجها مهراً عند بعض القضاة فأنكر فأمر القاضي أن يجلدا حدين قيل له ولم حكمت بهذا قال لانهما زنيا إن لم يكن بينهما مهر قيل فلا يجب على المرأة قال بلى إن النخلة إذا لم يحمل رأسها أحرق أصلها وتقدم جماعة إلى قراقوش وكان عاملاً لصلاح الدين على مصر ومعهم قتيل وثور ورجل مكتوف فقالوا أيها الأميران هذا الثور صال على هذا الرجل فقتله وهذا مالكه وهو العاقله ففكر ساعة ثم أمر بالثور أن يشنق ويطلق صاحبه قيل له ما هذا حكم الله فقال لو جرى هذا في زمن فرعون ما فعل غير هذا فإنه القاتل ولا يحل إن أقتل غير القاتل وهذه الحكاية ذكرها القاضي الأسعد بن مماتي في كتابه الذي وضعه وسماه الفاشوش في أحكام قراقوش ذكر فيه من هذه الأحكام شيأً كثيراً والعهدة عليه في ذلك فيما حكى والله أعلم وكان نصر بن مقبل عاملاً للرشيد على الرقة فأتى برجل من الظرفاء وجد ينكح شاة فقال أيها الأمير إنها والله ملك يميني وقد قال الله تعالى أوما ملكت إيمانكم فأطلقه وأمر أن تضرب الشاة الحد فإن ماتت تصلب قالوا أيها الأمير إنها بهيمة قال وإن كانت بهيمة فإن الحدود لا تعطل وإن عطلتها فبئس الوالي أنا فانتهى خبره إلى الرشيد ولم يكن رآه قبل فدعا به فلما مثل بين يديه قال له ممن أنت قال مولى لكلب فضحك منه
ثم قال له كيف بصرك بالحكم قال يا أمير المؤمنين الناس والبهائم عندي فيه سواء ولو وجب الحد على بهيمة وكانت أمي أو أختي لحددتها ولم تأخذني في الله لومة لائم فعزله الرشيد وأمر أن لا يستعان به في عمل فلم يزل معطلاً إلى أن مات وكان الربيع ابن عبد الله العامري والياً على اليمامة فبلغه أن كلباً قتل كلب الآخرين فأمر أن يقتل به فقال فيه بعض الشعراء
شهدت بأن الله حق لقاؤهوإنّ الربيع العامري رقيع
أقاد لنا كلباً بكلب ولم يدعدماء كلاب المسلمين تضيع
وكان أبو الضحاك ميمون قد ولي القضاء ببعض الأهواز فأتى برجل قد سرق فحده ثمانين وأتى برجل قذف فقطع يده فقال فيه محمد ن مساور
قد ذهب العلم وأشياعهإلا أبا الضحاك ميمونا
يقطع كف القاذف المفتريويجلد السارق ثمانينا
ومن التغفل الواقع من الشعراءفي مدائح السادات والكبراء
قال الخفا حي في كتاب سر الفصاحة ينبغي للشاعر ذي التمييز في فنه والتبريز أن لا يعبر عن المدح بالألفاظ المستعملة في الذم ولا يعبر في الذم بالألفاظ المستعملة في المدح بل يستعمل في جميع الأغراض الألفاظ اللائقة بها في موضع الجد ألفاظه وفي موضع الهزل ألفاظه ألا ترى ان الانسان إذا مدح ذكر الرأس والهامة والكاهل وإذا هجا ذكر الأخادع والقفا والقذال وإن كانت معالي الجميع متقاربة فقبيح بالشاعر وغيره أن يقول للملك وحق قذا لك مكان وحق رأسك لأن الاستعمال مختلف في الألفاظ وإن كان في المعنى غير مختلف فمن السقطات المعدودة في ذلك قول أبي نواس
جاد بالأموال حتىحسبوه الناس حمقا
وكقول أبي تمام
ما زال يهدي بالمكارم دائباحتى ظننا أنه محموم
وكقوله
يا أبا جعفر جعلت فداكافاق كل الوجوه حسن قفاك
إلى غير ذلك من شعر المولدين والمحدثين والعصريين فالحمق ويهدي ومحموم من الألفاظ اللائقة بالهجاء وقد سقط المتنبي في افتتاحه قصيدة مدح بها كافوراً الأخشيدي إذ قال
كفى بك داء أن ترى الموت شافياوحسب المنايا أن تكون أمانيا
قلت وقد أشبه ما عيب ما حكى أن زبيدة ابنة جعفر بن أبي جعفر المنصور أنشدها قاصد من الأعراب فقال
أزبيدة ابنة جعفرطوبى لسائلك المثاب
تعطين من رجليك ماتعطى الأكف من الرغاب
فوثب إليه خدمها وهموا بضربه فمنعتهم من ذلك وقالت أراد خيراً فأخطأ وهو أحب إلينا ممن أراد شراً فأصاب سمع قولهم شمالك أندى من يمين غيرك فظن إنه إذا قال هكذا كان أبلغ أعطوه ما أمل وعرفوه ما جهل وعاب الفضل ابن يحيى على أبي نواس قوله في قصيدة مدحه بها
سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالدهواكم لعل الفضل يجمع بيننا
فقال له الفضل ما زدت على أن جعلتني قواداً فقال إنه جمع تفضل لا جمع تواصل وقد تابعه أبو الطيب المتنبي في قوله من قصيدة يمدح بها سعيد بن
كلاب
علّ الأمير يرى ذلي فيشفع ليإلى التي صيرتني في الهوى مثلا
وعيب عليه أيضاً قوله من قصيدة يمدح بها سيف الدولة بن حمدان
ليت أنا إذا ارتحلت لك الخيل وأنا إذا نزلت الخيام
فإنه أنزل نفسه منزلة الأنملة وعبر عن همته بالقلة بجعلها مركوبة ولم يكفه ذلك حتى ألبس الممدوح شعاره وأكسبه عاره بجعله راكباً تارة ومركوباً أخرى واتصف بصفات المدح التي هو بها أحرى فأساء الأدب وأخطأ الطريق وعدم الرشد ويمن التوفيق ودخل بعضهم على رئيس الرؤسا أبي الغنائم فأنشده قصيدة جاء منها
فسبحان الذي أعطاك ملكاًوعلمك الجلوس على السرير
وتمامه
أتذكر إذ لباسك جلد شاةوإذ نعلاك من جلد البعير
فقال له رجل من الجلساء أتقول مثل هذا للرئيس لا أم لك فقال والله ما ظننت إني قلت عيباً غير إني مدحت الرئيس بما مدحت به فضحك منه ووصله وهذان البيتان ذكرهما الجاحظ في كتاب البيان والتبيين لا عشى همدان وأنشد قبلهما
فلست مسلماً ما دمت حياًعلى زيد بتسليم الأمير
أمير يأكل الفالوذ سراًويطعم ضيفه خبز الشعير
وحدث أحمد بن إسمعيل بن الخصيب قال دخلت على سليمان بن وهب بأبيات أعزيه فيها عن أمه فأخذت في إنشادها فقال أنا أعزك الله في
مصائب قد انثالت علي من كل جانب قلت وما هي أطال الله بقاك قال ماتت أمي وغير رسمي ورثي ميتي بمثل هذا الشعر ورمى لي رقعة مكتوب فيها
لام سليمان علينا مصيبةمجللة مثل الحسام البواتر
وكنت سراج البيت يا أم سالمفأضحى سراج البيت بين المقابر
فاشتغلت بالضحك عن البكاء وبالتسلي عن العزاء وكان الشعر لأبي أيوب واسمه صالح بن شهريار ابن أخت أبي الوزير ومدح بعضهم أميراً فقال
أنت الامام الأريحيالواسع ابن الواسعة
فقبل له من أين عرفت هذا قال سمعت الناس يثنون عليك بذلك
ومن شوارد هذا النوع وأفرادهما يفي بغرض المتأمل ومراد
ما حكى أن عبد الله بن رواحة رأته امرأته على بطن جارية له فخرجت وشحذت شفرة ثم دخلت إليه تريد قتله فوجدته قد خرج من عندها فقال لها مهيم فقالت أما إني لو وجدتك حيث كنت لوجأت بها بطنك فقال لها إن رسول الله ﷺ نهانا أن يقرأ أحدنا القرآن جنباً قالت اقرأ فأنشد
أتانا رسول الله يتلو كتابهكما لاح مشهور من الصبح ساطع
أتى بالهدى بعد العمي فقلوبنابه موقفات أن ما قال واقع
يبيت يجافي جنسه عن فراشهإذا ما استقرّت بالجنوب المضاجع
فلما سمعت مقاله قالت آمنت بالله وكذبت بصري فاخبر بذلك عبد الله ابن رواحة رسول الله ﷺ فضحك حتى بدت نواجذه وأسر عتاب بن ورقاء جماعة من الخوارج فوجد فيهم امرأة فقال وأنت يا عدوة الله ممن مرق من الدين وخرج على المسلمين أما سمعت قول الله تعالى
كتب القتل والقتال عليناوعلى الغانيات جرّ الذيول
فقالت حسن معرفتك بكتاب الله دعانا إلى الخروج عليك يا عدو الله وصعد المنبر بأصبهان فخطب وقال في أثناء خطبته وذلك كما قال الله في كتابه العزيز
ليس شيء على المنون بباقيغير وجه المسبح الخلاق
فقال له رجل ليس هذا قول الله إنما هو قول عدي بن زيد قال فنعم والله ما قال عدي ومثل ذلك ما حكى أن علي بن زياد الأيادي قال في بعض خطبه أقول لكم كما قال العبد الصالح ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد فقام إليه إنسان وقال ما هذا قول عبد صالح إنما هو قول فرعون فقال من قال هذا فقد أحسن وأم رجل من الظرفاء بقوم أياماً وكانوا من التغفل بمكان فكانوا يطعمونه الخبز والكامخ لا يزيدونه عليهما شيأً فصلى بهم يوماً الصبح فقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولا تطعموا أئمتكم كامخاً بل لحماً فإن لم تجدوا لحماء فشحماً فإن لم تجدوا شحماً فبيضاً ومن لم يفعل ذلك فقد ضل ضلالاً بعيداً وخسر خسراناً مبيناً وقرأ في الركعة الثانية فإن لم تجدوا بيضاً فسمكاً واطبخوه سكباجاً فإن لم تجدوا سمكاً فلبناً ولا تحمضوه تحميضاً ومن يفعل ذلك فقد افترى إثماً عظيماً فلما فرغ من صلاته جاؤه واعتذروا إليه من التقصير في حقه وأنهم لم يكن عندهم علم بأن الله أنزل في الوصية بالأئمة شيأً وسالوه في أي سورة هذه الآيات فقال لهم في سورة المائدة وكان بعض الحمقى يتعشق جارية فهام بها دهراً لا يقدر على الوصول إليها فزارته يوماً فنام وتركها فقالت له ويحك ما
دعاك إلى النوم وقد ظفرت بمن تهواه فقال يا سيدتي أتناوم لعلي أراك أيضاً في المنام كما قال الشاعر
وإني لأستغشى وما بي نعسةلعل خيالاً منك يلقى خياليا
وكتب آخر إلى محبوبته إن رأيت أن تزورينا عصمنا الله وإياك فافعلي فكتبت إليه يا أحمق متى عصمنا لا نجتمع أبداً ووقع بين سليمان بن مروان الأعمش وبين زوجته وحشة فسأل بعض أصحابه الاصلاح بينهما فدخل إليها وقال إن أبا محمد شيخنا وفقيهنا فلا يزهدنك فيه عموشة عينيه ونتن ابطيه وبخر شدقيه وجمود كفيه وحموشة ساقيه وذلك بمرأى من الأعمش ومسمع منه فقال له الأعمش كف لا أم لك فقد ذكرت لها من عيوبي ما لم تكن تعرفه وذكر أن عبد الله بن فضلو به وكان عامل قزوين أنشد يوماً
يوم القيامة يوم لا دواء لهإلا الطلاء وإلا الطيب والطرب
فقال له من حضره أخطأت إنما هو يوم الحجامة فقال أعذروني فإني لا أعرف أيهما باع بعض المتجلفين بستاناً واشترى بثمنه حماراً فقال له صاحب له بعت ما كان يعلفه السماء فيعوضك الشعير واشتريت ما تعلفه الشعير فيعوضك الماء ومن هذا الباب تجلف أبي غبشان وكان سادناً للكعبة فإنه باع الكعبة بزق خمر حتى ضرب به المثل في التجلف فقيل أخسر صفقة من أبي غبشان وتجلف سلم الخاسر فإنه باع مصحفاً واشترى بثمنه طنبوراً فضرب به المثل فقيل أخسر من سلم
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع