تجاوز إلى المحتوى

من «غرر الخصائص الواضحة» للوطواط (ت ٧١٨هـ)

اعتذار من لم يهد شيأً

تأنق في الهدية كل قومإليك غداة شربك للدواء
فلما أن هممت بها مدلاًلموضع حرمتي بك والاخاء
رأيت كثير ما أهدى قليلاًلديكم فاقتصرت على الدواء

آخر

إن أهد نفسي فهو مالكهاولها أصون كرائم الذحر
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة
أو أهد مالاً فهو واهبهوأنا الحقيق عليه بالشكر
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة
أو أهد شكراً فهو مرتهنبجميل فعلك آخر الدهر

آخر

وافق المهرجان حاشاك منيرفعة الحال وهي داء الكرام
فاقتصرنا على الدعاء وفيهعون صدق على قضاء الزمام

آخر

هديتي تقصر عن همتيوهمتي تفضل عن مالي
فخالص الودّ ومحض الولاأحق ما يهديه أمثالي
ومن واجبات شيم الأحرارحفظ ما أودعوه من الأسرار

وكان السر مما يجب على الاخوان أن يأخذوا أنفسهم ويروضوا به طباعهم لما فيه من الفضل وتمام الطبيعة والعقل يحكى أن رجلاً أراد صحبة انسان فسأل بعض أصدقائه عنه فأنشده

كريم يميت السرّ حتى كأنهإذا استنطقته عن حديثك جاهله
ويبدي لكم حباً شديداً وهيبةوللناس أشغال وحبك شاغله

فقال مثل هذا ينبغي أن يناط بمحبته القلوب ويطلع على خفايا السرائر والغيوب وهذان البيتان لكثير عزة من أبيات وأسر رجل إلى صديقه حديثاً فلما فرغ منه قال حفظته قال بل نسيته وقيل لعمرو بن ربيعة كيف كتمانك للسر فقال اجعله عوضاً من قلبي وشعبة من نفسي فيكون بخروجه خروجها وقيل لأعرابي ما بلغ من حفظك للسر قال أفرقه تحت شغاف قلبي ثم لا أجمعه وأنساه كأنني لم أسمعه وقالوا قلوب العقلاء حصون الأسرار وقالوا صدور

الأحرار قبور الأسرار شاعر

ولي سرائر في الضمير طويتهاينسى الضمير بانها في طيه

وقيل لبعضهم كيف كتمانك للسر قال أكتم المخبر وأحلف للمستخبر وما أحسن قول المرتضى وقد سأله الصابي كيف كتمانك للسر في محاورة جرت بينهما

لسرّ صديقي بين جنبيّ معقلمداه على المستبطنين طويل
إذا لحقت أذني به من لسانهفليس عليها للمخاض سبيل

وكتب إليه أيضاً

وللسرّ من بين جنبيّ ممكنخفيّ قصيّ عن مدارج أنفاسي
أضنّ به ضني بموضع حفظهفاحميه عن احساس غيري واحساسي
كأني من فرط احتفاظي أضعتهفبعضي له واع وبعضي له ناسي

آخر

لا يكتم السرّ إلا من له حسبفالسرّ عند كرام الناس مكتوم
والسر عندي في بيت له غلققد ضاع مفتاحه والبيت مختوم
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «لا تودع السر إلا عند ذي كرم»

مجنون ليلى

ومستخبر عن سرّ ليلى رددتهبعمياء من ليلى بغير يقين
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «ومستخبر عن سر ليلى رددته»
يقولون خبرنا فأنت أمينهاوما أنا إن خبرتهم بأمين

يروى أن علياً ﵁ قال لأبي الأسود الدؤلي أريد رجلاً مخداناً قال يا أمير المؤمنين ألست كذلك قال بلى ولكن أريد رجلاً أستريح منك إليه ومنه إليك وليكن كتوماً للسر فإن الرجل إذا أنس بالرجل ألقى إليه عجزه

وبجره وقال الشاعر

نصل الصديق إذا أراد وصالناونعيد بعد صدودنا أحيانا
لا مظهر عند القطيعة سرهبل حافظ من ذاك ما استرعانا

آخر

إنّ الكريم الذي تبقى مودّتهويحفظ السر إن صافي وإن صرما
للشاعر أبو بكر ابن عياش، اقرأ القصيدة
ليس الكريم الذي إن غاب صاحبهبث الذي كان من أسراره علما

سالم اليشكري

إذا ما غفرت الذنب يوماً لصاحبفلست معيداً ما حييت له ذكرا
للشاعر سلمة بن رِشْك اليشكريّ، اقرأ القصيدة
ولست إذا ما حال عن حفظ ودهوعندي له سر مذيعاً له سرا

ناقضه آخر فقال

ولا أكتم الأسرار لكن أذيعهاولا أترك الأسرار تغلي على قلبي
فإن سخين العين من بات ليلةتقلبه الأسرار جنباً إلى جنب
ومما يفصم بين المنجابين عرا المحاورةالتزام ما يجب من حقوق المجاورة

قال الله تعالى والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب فذو القربى الجار الملاصق والجار الجنب البعيد عن الملاصقة والصاحب بالجنب الرفيق في السفر وكان يقال ليس حسن الجوار كف الأذى ولكنه الصبر على الأذى وأدنى حقوق الجار أن لا تؤذيه بقتار قدرك وأن تؤمنه

من حسدك وشرك وقال جابر بن عبد الله الجيران ثلاثة فجار له حق واحد وجار له حقان وجار له ثلاثة حقوق فأما الذي له حق واحد فجار مشرك لا رحم له فله حق الجوار وأما الذي له حقان فجار مسلم لا رحم له له حق الاسلام وحق الجوار وأما الذي له ثلاثة حقوق فجار مسلم ذو رحم له حق الاسلام وحق الرحم وحق الجوار وقال رسول الله ﷺ لأبي ذريا أبا ذر إذا طبخت اللحم فأكثر المرق وتعاهد جيرانك وكان يقال من نال من جاره حرم بركة داره وقد ورد عنه عليه الصلاة واسلام أنه قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ولا يؤذي جاره ولا يخيب من قصده وكان عبد الله بن أبي بكرة ينفق على أربعين داراً من جيرانه من سائر جهات داره الأربع في كل سنة أربعين ألف دينار وكان يبعث إليهم الأضاحي والكسوة في الأعياد والمواسم وأعطى أبو الجهم العدوى في داره بالبصرة مائة ألف درهم فقال لهم وبكم تشترون مني جوار سعيد بن العاص قالوا وهل رأيت جواراً يشتري قط قال والله لا بعت داراً تجاور رجلاً إن غبت عنه سأل عني وحفظني في أهلي وإن رآني رحب بي وقربني وإن سألته قضى حاجتي وحياني وإن لم أسأل عنه عطف علي وبداني والله لو أعطيت فيها ملأها ذهباً ما اخترته عليه ولا نظرت إليه فبلغ ذلك سعيداً فبعث إليه بمائة ألف درهم وقال جعفر بن أبي طالب لأبيه يا أبة إني لا أستحيي أن أطعم طعاماً وجيراني لا يقدرون على مثله فقال له أبوه إني لأرجو أن يكون فيك خلف من عبد المطلب وقال الحسن البصري ليس حسن الجوار كف الأذى ولكنه الصبر على الأذى وقالوا الاحسان إلى الجار يعمر الديار ويزيد في الأعمار شاعر

إني لأحسد جاركم بجواركمطوبى لمن أضحى لدارك جابرا
يا ليت جارك بأعنى من دارهشبراً فأعطيه بشبر دارا

وقال بعض حكماء العجم حسن الجوار خير قرين وعلى استخلاص المودة خير معين مسكين الدارمي

ناري ونار الجار واحدةفإليه قبلي ينزل القدر
للشاعر مسكين الدرامي، من قصيدة «إن أدع مسكينا فما قصرت»
ما ضرّ جار إلى أجاورهأن لا يكون لبابه ستر
أعمى إذا ما جارتي خرجتحتى يواري جسمها الستر

آخر

أجود وأرعى حرمة الجار إننيكريم بمالي كل عرق مهذب
وأمنع جيراني من الضيم والأذىواركب من اكرامهم كل مركب

ومن النوادر المحكية في اكرام الجار ما حكى أن يهودياً عطاراً نزل ببعض أحياء العرب يبيع لهم من بضاعته العطرية فمات عندهم فأتوا شيخاً لهم لم يكن يقطع في الحي أمر دونه فاعلموه بخبر اليهودي فجاء وغسله وكفنه وتقدم وأقام الناس خلفه وقال اللهم إن هذا لنا جار وله علينا ذمام فإذا قضينا ذمامه وصار إليك فلك الخيار أن تفعل به ما هو له أهل أو تفعل به ما أنت له أهل فإنك أهل التقوى وأهل المغفرة شاعر

راع حقوق الجار في كل ماحدده الله وأوصى به
وزره في الصحة مستبشراًوعده في السقم وأوصابه
ولا تغيرك له حالةتبدو كشهد القول أوصابه
وهذه ظرف تكون لما ذكرناه ختاماًولنفس المتأمل وقلبه شركاً وزماما
فيما يلزم الأصدقاء من تمازج الأرواحامتزاج الصهباء بالماء القراح

قيل لبعضهم صف لنا الصديق قال أنت هو وهو أنت إلا إنكما جسمان بينكما روح وقبل لاسباط الشيباني صف لنا الاخوة وأوجز فقال أغصان

تغرس في القلوب فتثمر على قدر العقول وقيل لافلاطون ما معنى الصديق قال هو أنت إلا أنه غيرك وقيل لبعضهم ما الأصدقاء قال نفس واحدة وأجساد متفرقة وقال ابن المقفع الأخ نسيب الجسم والصديق نسيب الروح وقيل لأرسطو طاليس وقد سئل عن الصديق ما معناه فقال قلب تضمنه جسمان نظمه بعض الشعراء فقال

بنفسي أخ لي في الأمور مساعدفلي وله جسمان والقلب واحد
إذا غاب عني لم أجد طعم لذةلأن فؤادي شطره متباعد

لآخر

بابي من هو منى في الحشاليته يوماً على عيني مشى
روحه روحي وروحي روحهإن يشأ شئت وإن شئت يشا
للشاعر الحلاج، من قصيدة «يا نسيم الريح قولي للرشا»

ولقد تتبعت ما قاله الناس في الاتحاد فما رأيت ولا سمعت أحسن من قول أبي الحسين الحلاج في ذلك

أنا من أهوى ومن أهوى أنانحن روحان حللنا بدنا
للشاعر الحلاج، من قصيدة «أنا من أهوى ومن أهوى أنا»
نحن مذ كنا على عهد الهوىتضرب الأمثال في الناس بنا
فإذا أبصرتني أبصرتهوإذا أبصرته قلت أنا

وله

جبلت روحك من روحي كمايجبل العنبر بالمسك العبق
فإذا مسك شيء مسنيفإذا أنت أنا لا نفترق

وله

مزجت روحك من روحي كماتمزج القهوة بالماء الزلال
فإذا مسك شيء مسنيفإذا أنت أنا في كل حال
للشاعر الحلاج، من قصيدة «مزجت روحك في روحي كما»

وهذا غاية ما بلغه علمي وأدركه فهمي وتصرف الناس في حسن الاختيار معدود من المواهب وللناس فيما يعشقون مذاهب وقد أحسن الشريف الرضي في قوله يخاطب أبا إسحق الصابي

أنت الكرى مؤنس طرفي وبعضهممثل القذى مانع طرفي من الوسن
لقد تمازج قلبانا كأنهماتراضعاً بدم الأحشاء لا اللبن

ويقال كاتب صديقك كما تكاتب حبيبك فإن عذل الصداقة أرق من عذل العلاقة والنفس بالصديق آنس منها بالعشيق ويقال إذا كاتبت أخاك فليكن المداد من سواد الفؤاد والقرطاس من بياض الوداد فإن من كرمت خصاله وجب وصاله

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من في الاخوة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.