من «نسيم الصبا» لابن حبيب الحلبي (ت ٧٧٩هـ)
الفصل العشرون: في الطيور
أخبرني بعض الإخوان، أنه رأى بلدة من البلدان، متسعة الفناء، محكمة البناء، تروق العيون، وتحرك السكون، بالقرب منها واد خصيب، يشتمل من الأطيار على كل غريب، مديد الأشجار، منسرح الأنهار، وافر الخير، يعرف بوكر الطير. فتقت إلى رؤية ذلك الوادي، وحدا بي من الشوق إليه حادي، فسرت أطوي البيد، وأصل التحليج بالتخويد، إلى أن أتيت إليه، وأنخت راحلتي عليه. فعاينت منه ما حقق مطالبي ووجدت به ما صاح بي كما قال صاحبي:
واد عليه للمحاسن رونقوبه طيور طاب عيش نديمها
أرجاؤه مشحونة بسباعهاوكلابها وبغاثها وبهيمها
فمن صقر شريف النجار، رفيع المقدار. القمر منظره، والهلال منسره. له ثوب أرقط، بياضه بالسواد منقط، حسن السلوك، لا يصحب إلا الملوك.
ومن باز أشهب، جمر مقلتيه يتلهب. خفيف الجناح، سريع النجاح. يلمع في الجو
كالبارق، وينقض انقضاض الطارق. قوي الافتراس، يثب على الطريدة وثوب الهرماس.
وصقر أحمر الجلبات شهمطموح العين معقود اللواء
يطير إلى الفلاة يروم صيداًفيرجع بالأرانب والظباء
وشاهين رحيب الصدر جونيجيد السبح في بحر الفضاء
إذا الكركي لاح سما إليهوعاجله بمحتوم القضاء
ومن كوهية حالية الحلة، تجلى كالعرائس في الأكلة، ملابسها مدبجة، ومخالبها بدم القلوب مضرجة، ذات درع ظلها ضافي، منتظمة القوادم والخوافي. تمر مر السحاب، وتأتي بما لم يكن في الحساب.
ومن باشق فرعه مع صغر حجمه باسق، زعرور الأخلاق ذهبي الأحداق. شاكي السلاح، محمود الغدو والرواح. يمرق كالسهام، ويوقع الحمام في شرك الحمام:
وطاو أعار الروض لمامشى في اللازوردي المدثر
يلوح على المفارق منه تاجبديع تاج قيصر عنه قصر
وديك عرفه من أرجوانوجؤجؤه من الوشي المحبر
يرى سهر الدجا حتى إذا مادنا الإصباح هلل ثم كبر
ومن ببغاء جميل الصفات، قوي على حكاية الأصوات. فهمه صحيح، ولسانه فصيح. هندي الأوطان، زبرجدي
الأردان. طرفه مركب من قار، وله من الياقوت منقار.
ومن هدهد وافر الهداية، نافر عن الضلالة والغواية. يرى الماء في باطن الفجاج، كما ينظره الإنسان في داخل الزجاج. مرقوم البرود، كثير الركوع والسجود. يميد في حلله الفاخرة ويميس، كأنما ألبسه سليمان تاج بلقيس:
ودراج تبدى في قميصنضير الزهر زهري أنيق
فصوص بنفسج في ياسمينوريحان تشقق عن شقيق
ومن حجل يعاقيب عليهامروط أشبهت لون الدبيق
لها طرف تركب من نضارومنقار تكون من عقيق
ومن قطا، ياله من قطا، حسن المشي متقارب الخطا، جيده مطوق، ومبسمه بالزعفران مخلق. منقوش الإزار، كأنه عب من كأس عقار. جناحه مخضوب، وصدره بماء الذهب مكتوب. ومن يمام، يفي بالعهد والذمام، مشهور بالسجع، معروف بالذهاب والرجع. يألف الرياض ويرفل في ثوب فضفاض. يؤدي الأمانات إلى أهلها، ويتحرى في رواية الأحاديث ونقلها:
ومن هزار كامل المعانيحلو الحلى منطلق اللسان
تراه إن غنى على العيدانيطرب ما لا تطرب المثاني
وبلبل بلبل قلب العانيحلته من أسود الجنان
قام خطيباً في ذرا الأغصانيأمر بالعدل وبالإحسان
ومن ورشان، يودع المسامع أطيب الألحان. نوبي الدار، علي المنار. شهي التغريد، معبدي الأناشيد. يحسن الأنغام، ويغري الخلي بالوجد والغرام.
ومن قمري أخفى القمر، كم نهى على منبر الأيك وأمر. ساجع مطراب، إعجامه لذي المعارف إعراب. أشهل العيون، وفي جيده من خط القلم نون. يستديم شكر الدائم، ولا تأخذه في التسبيح لومة لائم:
وفواخت كدرية أطواقهامسكية والطرف منها أسود
طوراً تفوح على الغصون لفقد منتهوى، وطوراً للوصال تغرد
وغراب تغريب فصيح أعجمداجي الإهاب مقامه لا يحمد
يهوى نوى أصحابه فإذا نأواأضحى مقيماً بالديار يعدد
فيالله من واد أنبت السرور، وحوى أصنافاً جمة من الطيور، لا أجمع بين أشخاصها وأسمائها، ولا أتحقق شيئاً من أحوالها وأنبائها. فسبحان المتكفل بأرزاقها، المباين بين طباعها وأخلاقها. فلما سبرت سر الوادي، تطلعت إلى طلعة شمس بلادي، فلويت زمام الراحلة، وودعت من الطير نجوماً غير آفلة، قائلاً: اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأوطان، تالياً: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾.
النص من طبعة مطبعة الجوائب بالقسطنطينية (١٣٠٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع