تجاوز إلى المحتوى

من «نسيم الصبا» لابن حبيب الحلبي (ت ٧٧٩هـ)

الفصل التاسع عشر: في الوحش

هفا بي هيف الإسفار، وطوحني بين أنكر صحبة الأسفار، إلى خرق متسع الجوانب تطول على سالكه سبائب السباسب. فسرت أطوي خيفه وصمانه، وأرض جلاميده وصوانه، إلى أن دنت الشمس من الزوال، وآل أمر الظامئ إلى رؤية الآل. فبينما أنا أرود لأرد، لاح لعيني غدير مطرد. فأتيته مسروراً، ونهلت منه ماء مقروراً. ثم توضأت لأداء المكتوبة، وأبرد بالصلاة ما صلي من الجوارح المكروبة.

ونظرت فإذا تلعة من التلاع، مشرفة على اليفاع، من تلك البقاع، فاقتعدت ذروتها، وتلقيت للقيلولة هضبتها. فما استقر المجلس بي ولا بلغت من الراحة أربي، إلا والغبرة قد نشرت، والوحوش للورد قد حشرت:

فمن أسد ورد شديد الباس، عرد صعب المراس، بين جفنيه مقباس. شثن الكف، لا يرهب من أبطال الصف. ملك مهاب، تبري الإهاب، حديد الظفر والناب، يخلفه الشبل إن غاب عن الغاب:

متخضب بدم الفوارس لابسفي غيله من لبدتيه غيلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»
يطأ الثرى مترفقاً من تيههفكأنه آس يجس عليلاً
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ومن نمر شرس الأخلاق، دم الفريسة بين يديه يراق. الجلبة ضمن جلبابه، والنوائب كامنة في أنيابه، وثباته لاتنكر، وثباته أشهر من أن يذكر. يقطع الطريق، ويحب شرب الرحيق:

أحسن به من النمور أهرتايحار في تدبيجه أهل الحجا
إذا بدا يريك من إهابهطرة صبح تحت أذيال الدجا

ومن فهد خصره رقيق، وعقد فقاره وثيق، واضح الجبين، أفطس العرنين. كم فرى من فرا، واجترح واجترا، وظفر فظفر، وتخفر به الصيد فما خفر.

فهد كحيل المقلتين مرقشجهم المحيا لا يمل من الحنق
والليل فيه والنهار تغايراًلله ثوب ألبساه من الحدق

ومن دب مختلف الطباع، يأكل مما تأكله الدواب والسباع. بعيد مقترب، مغرى باللهو واللعب. كثير الشهوة، قليل الغيرة والنخوة. يقبل التعليم والتأديب، ويأتي من بحر فطنته بكل عجيب:

وذي وبر قوي مصلخدتراه يدب ما بين الدباب
له ظفر إذاً ما عن صيدله ظفر وناب غير نابي

ومن ضبع حضاجر، كنيتها أم عامر. موصوفة بالعرج، تفترس من دب ودرج. تشتهي السفاد، وتميل إلى الفساد، وتخرج من الوجار، ولا ترعى حق الجار ولو أجار.

صنعنا جميلاً قابلونا بضدهوهذا فعال الخائنات الفواجر
ومن يصنع المعروف في غير أهلهيجازى كما جوزي مجير ام عامر

ومن ذئب أطلس، عمر وعسعس، يسطو بأنياب حداد ويألف الوحدة والانفراد. الغدر له شيمة، والغنم لديه غنيمة. صبور على السفر، شديد الخوف والحذر:

ينام بإحدى مقلتيه ويتقيبأخرى المنايا فهو يقظان هاجع
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة

ومن ثعلب رائغ، زائل عن الطريق زائغ. وافر المكر والحيل، يضرب بخديعته المثل. حسن اللباس،

يرتدي بالسندس والقرطاس. يحب الدجاج والحمام، وربما أوقعه في شرك الحمام:

يطير قلب الطير في وكرهمخافة من نابه النابل
لكنه يلقى الردى بعدهاكم أكلة أجنت على الآكل

ومن هر يسبق الهرهور حاد الناب والأظفور. عيناه كالزجاج، ومرطه كالديباج، أخنس الأنف لطيف محل الشنف. يقعي إقعاء الأسد، ويلوي من ذنبه حبلاً من مسد:

وهر أهرت الشدقين ضارله حسن بديع غير خافي
بكعبة ربه كم طاف سبعاًويغسل وجهه قبل الطواف

ومن نمس كميت اللون، ماللطير والثعبان منه صون. صائل صائد، ظهره عظم واحد. طويل الخطم قصير اليدين، ليس له سوى صماخين من الأذنين:

وظربان يألف الظراباويقنص الحسول والضبابا
جلدته كالقد في قوتهالا يقطع السيف له إهاباً

ومن سنجاب أبلق، بطنه أبيض وظهره أزرق. يأوي الأشجار العالية، ويسكن الأماكن الخالية، جميل الملابس، حسن اليلامق والقلانس:

لله سنجاب برذو ناظر كالشهاب
في الدوح يعدو ويبدوكقطعة من سحاب

ومن فيل، له خرطوم طويل، يشبه الصولجان، ويحكي في تلويه الأفعوان. وأذنان

كالترسين، تحتهما نابان كالرمحين. عقبة كؤود، شديد الغيرة حقود، يرتاح إلىالطرب، وينخرط في سلك العجب:

وهندي كطود مشمخرذكي القلب يفهم ما يقول
لقاء العسكر الشاكي عليهيهون لأن منظره يهول

ومن كركدن كالجاموس، تنفر منه الخواطر والنفوس، قوته شديدة، وأسلحته عتيدة عديدة. له اختيال في مشيته، وقرن غليظ في جبهته، يظهر بأرض الهند والحبشان، فيخضع هيبة له سائر الحيوان:

وكركدن كدنفي خلقه عجائب
له سلاح حاضروالعقل منه غائب

ومن زرافة، حازت أنواع اللطافة. بردها بالوشي ملمع، وقرنها بالسبج مقمع، طال جيدها جداً، وجاوز غضب عجبها حداً. عالية الصدر منحطة المآخر، جميلة الأوصاف والمفاخر:

نوبية المنشا تريك من الطلاروقاً ومن بزل المهارى مشفرا
جبلت على الإقعاء من إعجابهافنخالها للتيه تمشي القهقرى
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «ليست صفات علاك مما يمترى»

ومن مها ثمر حسنها قد زها. عنقاء مبهر، خدها

مضمخ بالعنبر. تفتن العقول بأحداقها، ويعز على القلوب غداة فراقها:

عيون المها على ذي صبابةصبور على الهجران ليس يحول
يحن إلى سلع ونجد وحاجرمنازل فيها صحبكن نزول

ومن أيل ضباضب، يحمي من قضب شجرتيه بالقواضب. يأكل الأفاعي، ويحسن في تحصيلها المساعي. يشتغل بالصفير والطرب، فيشتغل بنيران العطب:

متشعب القرنين يدعى أيلاًمن دمعه بادزهر الحيوان

ومن فرا ليس في حسنه مرا. كل الصيد في جوفه، لا يستقر على الثرى من خوفه. يميس في برده القشيب، ويطول عمره ولا يشيب:

شغلته لواقح ملأتهغيرة فهو خلفهن كمي
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «صاح بالوعظ شيب رأس مضي»

ومن وعل أرقب، لا يفارق النفق والمرقب، يحمي الأروية، ويحتجب في البر عن البرية. يسكن في الأماكن الوعرة، ويصبر على شدة القرة والوغرة:

إن شئت تلقى راهباً ذا رغبةفي شامخ عالي الذرا فالق الوعل
سامي التليل بالضياء مرتدمن تيهه وبالظلام منتعل

ومن ظبي غرير، متلفع بمطارف الحرير. كحيل الطرف

ذكي العرف. جميل الصفات حسن الالتفات. إن حضر أحيا الأرواح، وإن أحضر فات الرياح:

غزال قد غزا قلبيبأسياف من الطرف
له عطف به ميلولكن لا إلى العطف

ومن أرنب يرتع بين الشيح والزرنب. بطنه يقق، ومتنه شفق. قصير اليدين، ينام وهو ساهر العين:

وأرنب ذي وثوب في سياحتهأثوابه صبغت من ماء عقبان
إذا جرى في فلاة خوف مقتنصتخاله كرة تهفو بميدان

ومن قرد نسناس، في خلقه ما يشبه الناس. خفيف الروح، يغدو في الشواهق ويروح. نزيه يهفوف، بالفهم والذكاء معروف:

أحسن بقرد سريع الفهم ذي شبهبالآدمي وهذا القدر يكفيه
له لسان ولكن لا يوافقهيكاد ينطق لولا عجمة فيه

فلما عانيت من تلك الوحوش ما راقني، وشاهدت من أصنافها وأوصافها ما شاقني، واجتليت محاسن عرائسها، وتنزهت في رياض ملابسها، قمت من شكر بارئها بما يجب، وأعلنت بتوحيد رازقها من حيث لا تحتسب، وتلوث إذ أدهشني جمعها وخلقها: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾. ثم إنها مالت من الورد إلى الصدر، وتفرقت بعد

الاجتماع شذر مذر، فنهضت عازماً على الإياب متوكلاً على الكريم الوهاب، عائجاً إلى حيث أتيت، مثبتاً في ديوان الغرائب ما رأيت.

النص من طبعة مطبعة الجوائب بالقسطنطينية (١٣٠٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نسيم الصبا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.