من «نسيم الصبا» لابن حبيب الحلبي (ت ٧٧٩هـ)
الفصل السادس عشر: في مجلس الشراب
كان لي صديق مغرى بشرب الرحيق. غزير الفضل والآداب، كثير اللهج بذكر مجالس الشراب، وكان يود حضوري عنده، وأنا لا أبلغه مما يود قصده. فأتاني حيناً من الأحيان، يدعوني إلى مجلس بعض الأعيان، وألزمني بأن أحالفه، مقيماً على ألا أخالفه، فأجبت إلى المحاضرة، مشترطاً عدم المعاقرة. فقال: أجل أيها الأجلّ، وسآتيك إذا هزم النهار واضمحل. فلما آنس قدوم الليل، آب يسحب سحائب الذيل، وهو يقول:
يا من به ينفى الكمدويثبت العيش الرغد
جد بالوفا قد آن أنينجز حر ما وعد
فمضيت صحبته إلى دار، جرى بها فلك السعد ودار، عالية الجناب، رفيعة القباب. فاخترقنا أستارها، واجتلينا أقمارها، حتى انتهينا إلى مجلس فسيح، قدح الفائز بأقداحه غير منيح.
لا تسمع الآذان في جنباتهإلا ترنم ألسن العيدان
أو صوت تصفيق الجليس ونقرهوبكاء راووق وضحك قناني
يشتمل على ندمان، لا يسمح بمثلهم الزمان. حاشيتهم أرق من النسيم، ومزاج كاساتهم من تسنيم. إن نظموا أودعوا أصداف المسامع دراً، وإن نثروا نفثوا في عقد العقول سحراً.
تنازعوا درة الصهباء بينهموأوجبو لرضيع الكأس ما يجب
لا يحفظون على النشوان زلتهولا يريبك من أخلاقهم ريب
بينهم سقاة حسنت صفاتهم، وتكفلت بالإنصاف كفاتهم. كم فيهم ذو وجه جميل، وده صحيح وجفنه عليل. سمهري القوام، جوهري الكلام. تنعطف الأغصان سجداً لعطفه، ويسقي بطرفه أضعاف ما يسقي بكفه:
ساق غدا يحكيه منبان النقا وريقه
واظمئي وكالزلال خمره وريقه
أيديهم أقداح، تفتح أبواب الأفراح، وملاكها ملوك أكاسرة على الأسرة. النور ضمن إزارها، ومعدن الذهب في قرارها. تعدل وهي جائرة، وتنشد وهي دائرة:
صل الراح بالراحات واقدح مسرةبأقداحها واعكف على لذة الشرب
ولا تخش من ذنب فأوراق كرمهاأكف غدت تستغفر الله للذنب
وأباريق تسجد لربها، وتقبل الأرض لدى صبها. كم أصلحت فساد مزاج، وأوضحت منهاج ابتهاج. تحكي إوزاً معوجة الرقاب، أو ظباءً أشرفن من ذرى الهضاب:
وكأنما الإبريق عند ركوعهوالإثم يلثم ثغره المنعوتا
طير بمنقار له من لؤلؤلما أسف تناول الياقوتا
وأكواب مصفرة الأثواب، تغني عن المصباح، وتهدي ريح التفاح. تبعث على الحماسة والسماحة، وتتعب سوق ساقيها القلب وهي في راحة:
لله أكواب همومي حرمتلما أباحت خمرها المسكوبا
نار ولم تحرق، وإن أنكرت ماأوردته يا صاح فالمس كوبا
وكؤوس تسر بحسنها النفوس. ثغورها باسمة، ومناهلها لمادة الأسى حاسمة. تحمد عند الصبوح والغبوق، وتشرح الصدور في حالتي الغروب والشروق.
ولرب ساق محسن في كفهكأس برؤيتها نفى عنا العنا
وعلى ذراها ليس يبرح ناصباًشبك اللآلي كي يصيد لنا الهنا
وينطوي على قيان، ينشدن البديع من سحر البيان. لهن أصوات، توقظ أعين اللذات. يشنفن الأسماع، ويتقن أجناس الإيقاع:
قيان حكين البدر حسناً وبهجةزمان الذي يحظى بهن وسيم
إذا هن ألقين الغناء بمجلسفمعبد والغريض هشيم
وبه شمع يدهش الأبصار، ويحيى ما مات من ضوء النهار. دبيقي الملابس، عقيقي القلانس. وافر الأدب والهمة، لا يبرح واقفاً في الخدمة:
من كل هيفاء تهوى الشمس رؤيتهابكت وأنت فلاح الماء واللهب
تجلى على السراب في ثوب لها يققكحية من لجين رأسها ذهب
وفيه أنواع من الشراب، تلمع في أوانيها كلمع السراب. فمن خرطوم، تخفي بدر حبابها النجوم، وشمول تشمل القوم بالقبول. ومشعشة منازل كواكبها مرتفعة، وعاتق تقدم عصرها، وخف على النديم أمرها. وخابية حانية، قطوف كرومها دانية:
وطوس وقنديل عقار وقرقفمدام وإسفنط سلاف وجريال
طلاً وسباء والحميا وقهوةكميت، شموس، خندريس وسلسال
إلى غير ذلك من روح وريحان، ومحاسن وإحسان. ومسموع ومشموم، ومشروب ومطعوم. وعود يحرق ويحرك، ومسك في الصحاف يفتت ويفرك. وقريض ينشد، وعرف ضائع لا ينشد، وبم وزير، وجنة وحرير، وزهور ومزاهر، وملح ونوادر، وفاكهة مما يتخيرون، ولحم طير مما يشتهون:
أيا نديمي لو شاهدت وقفتنافي مجلس اللهو حيث الخصم مغلوب
والدف والدن مضروب ومنكسروالزق يذبح والراووق مصلوب
وبالجملة فإني عاينت من التفضيل، ما يغني عن التفصيل، وكاد ثقيل الطرب يستخفني لولا عناية الملك الجليل. ثم نظرت وإذا أمر القوم قد اضطرب، والعترفان يخبر عن ذنب السرحان بحسن المنقلب، فأشرت إلى صاحبي بالنقلة، وعرفته أن الليل قد عزم على الرحلة. فقام يهتز من السكر اهتزاز الأفنان. وانصرفنا، وأنا أمشي كالرخ وهو يمشي كالفرزان. فلما صرنا إلى البيت، خر صعقاً كالميت. فجلست معرضاً عن الكرى، متفكراً فيما قد جرى، لائماً نفسي على اتباع الهوى، ذاماً لها على معاشرة من ضل وغوى. ثم إني
ملت إلى الاستغفار، وسألت العفو من العزيز الغفار، ولذت - كما قال الحريري - بالمتاب، وآليت لا أحضر - ما دمت حياً - مجالس الشراب.
النص من طبعة مطبعة الجوائب بالقسطنطينية (١٣٠٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع