تجاوز إلى المحتوى

من «نسيم الصبا» لابن حبيب الحلبي (ت ٧٧٩هـ)

الفصل الثامن: في الأشجار والثمار

لما صدئت مرآة الجنان، قصدت لجلائها الجنان، فطرقت الباب فقيل: من؟ فقلت: فتى لا يدري من له فتن؟ ففتح

الوصيد ودنا المراد من المريد، فدخلت إليها، وما كدت أن أقدم عليها. فإذا جنة عالية، قطوفها دانية، وطلحها منضود، وظلها ممدود، وأعلام أشجارها مرفوعة، وفاكهتها كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة.

ربع الربيع بها فحالت كفهحللاً بها عقد الهموم يحلل

تجوس المياه خلال ديارها، وتشرق بآفاقها أنوار نوارها، وتحدق الحدق بفنون أفنانها، وتغني الوُرق على عيدانها، وتميد أدواحها على مذهب الأنماط، وتميس من الحلي في أحلى الشنوف والأقراط:

كأن غصونها سقيت رحيقاًفمالت مثل شُراب الرحيق

نزهة النواظر، وشرك الخواطر. كم لرقيق نسيمها من رقيق، قلبه مقيد ودمعه طليق، بها الأشجار لا تحصى، وثمار لا تعد ولا تستقصى، فمنها نخيل، مُتحفها غير بخيل، جُماره:

جسم لطيف اللمس لكنهقد لف في ثوب من الصوف

وطلعه:

كصدر فتاة ناهد شق قلبهاسماع فشقت عنه ثوباً ممسكا

وبلحه:

مكاحل من زمرد خرطتمقمعات الرؤوس بالذهب
للشاعر ابن وكيع التنيسي، اقرأ القصيدة

وبُسره:

كأنما خوصه عليهزبرجد مثمر عقيقا
للشاعر ظافر الحداد، من قصيدة «انظر إلى البسر إذ تبدى»

ورطبه:

إهليلج من لجينمسمر بالنضار

وتمره:

يشف مثل كؤوسمملوءة من عُقار

وكروم كريمة، منافعها عميمة:

كأنما عنقودهازنج جنوا في سرقة
فأصبحت رؤوسهمعلى الذرا معلقة

أو الثريا عند الصباح، أو أوعية نور ملئت من الراح:

كم درة فيها وكم جزعةصحيحة التدوير لم تثقب

وتفاح سرى نشره وفاح، كأنه خمر جمد، أو جمر ما خمد، أو در جُمع معه ياقوت، أو وجنة من هي للقلوب في الدنيا قوت، نصفه من بهار، ونصفه من جلنار:

كأن الهوى قد ضم من بعد فرقةبه خد معشوق إلى خد عاشق
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «وتفاحة من سوسن صيغ نصفها»

وسفرجل جل قدراً، وأطلع من زهره زهراً:

يحكي نهود الغانيات وتحتهاسرر لهن حشين مسكاً أذفرا
للشاعر الطغرائي، من قصيدة «وسفرجل عني المصيف بحفظه»

ينوب طعمه عن الراح، ويُهدي عطر الخود الرداح:

له ريح محبوب وقسوة قلبهولون محب حلة السقم قد كسي

وموز من نضار، كأنه أنياب فيلة صغار، أو طفل قماطه معصفر، أولفات زبد عجنت بسكر:

أو مغرم أنحله وصفرهبعد الذي بوصله ما ظفره

وتين ممزق الجلباب، كدر القشر صافي اللباب:

كأنه رب نعمة سلبتفعاد بعد الجديد في خلق

ورمان بديع النظام، يبسم عن مثل حب الغمام، كأنه نهود الحسان، أو حقاق صندل حشيت بالمرجان:

حقاق كأمثال الكرات تضمنتشذور عقيق في غشاء حرير

في شجره جلنار أشرق وأنار:

يحكي فصوص بلخشفي قبة من زبرجد

وإجاص أسود العين، لا يعتريه شيب ولا شين، كأنه كرات من العنبر، أو طليعة من الزنج تنتظر العسكر:

وإذا ما قشرته ففصوصصبغتها بمائها الظلماء

وخوخ ذو لونين، في بياضه وحمرته جلاء للعين:

كوجنة غادة خافت رقيباًفغطتها بمحمر البنان

وكمثرى لطيف الذات، حسن الصفات، في غاية اللطف والرقة، يذوب من الراحة ولا

يحمل المشقة:

كأنه في شكله ولونهوطعمه قوالب من سكر

ومشمش تقمص بالشفق، وتدرع بالورق، ككرات من العقيان، أو بنادق ضمخت بالزعفران:

وكأنما الأفلاك من طرب بهنثرت كواكبها على الأغصان

وتوت خمري اللون، ليس له صبر على الصون مزمل بدمائه، لم يبق فيه غير ذمائه:

يكاد بأن يفنى إذا ما لمستهفأرحمه من سائر الثمرات

وعُناب نقي الإهاب، كأنه قلوب الأطيار، أو خرز ركب من النضار:

أقراط ياقوت تحركها الصباأو أنمل بالأرجوان مطرفة

وفستق شريق كأنه عند التحقيق والتحديق:

زبرجدة ملفوفة في حريرةمضمنة دراً مغشى بياقوت
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة

أو مسرور تبسم، أو مأسور فتح فاه ليتكلم:

والقلب ما بين قشريه يلوح لناكألسن الطير، من بين المناقير

ولوز قلوبه مؤتلفة، وأثوابه مختلفة، لطيف المعاني، له بها جنة من الجاني كأنه خز بزه رفيع، أو عذار جديد شرط الخليع:

أو سندس أخضر من تحته صدفأحسن به صدفاً في ضمنه درر

وجوز جسمه من العرعر، وقميصه من الزمرد الأخضر، صحيح التدوير، يسقط على الخبارلا على الخبير:

والجوز مقشور يروق كأنهلوناً وشكلاً مصطكى ممضوغ

وصنوبر يقري الضيف، لا يعرف رحلة الشتاء والصيف، كأنه طيور على ذرا القصب، أو كافور ضمخ بالمسك المنتخب:

عقد لآل مشرق لونهفي جوف أدراع من العود

وأترج حسن ذرعاً وزرعاً، وطاب أصلاً وفرعاً، فيه روح وريحان، وهو للأغصان بمنزلة التيجان:

أباريق من الذهب المصفىوقد سقطت عراها بالعراء

ونارنج بهيج، طيب زهره أريج، كأنه مصابيح، تهزها أيدي الريح، أو عذراء صبغت بالورس إزارها، أو وجنه عاشق أضرم الوجد نارها:

أو جذوة حملتها كف قابسهالكنها جذوة معدومة اللهب
للشاعر ابن سارة الأندلسي، اقرأ القصيدة

وليمون كأنه بنادق من لجين، أودعت غلفاً من العين مخافة العين:

يشبهه بيض الدجاج وقدلطخه العابث بالزعفران

وزيتون شجرته ميمونة، وأسرار أنواره مكنونة:

بدا لنا كأعينشهل وذات دعج
للشاعر ابن وكيع التنيسي، اقرأ القصيدة
مخضره زبرجدمسوده من سبج
للشاعر ابن وكيع التنيسي، اقرأ القصيدة

وخرنوب كقرن ظبي معطوف، أو هلال عاجله الخسوف:

وكأنه مذ لاح في أوراقهأصداف در ضمنها مرجان

ونبق جلبابه معصفر كأنه كهربا أصفر:

أو عدة من شنوفقد علقت بالغصون

وزعرور كالياقوت، مسك نكهته مفتوت:

جلاجل مخضوبة عندماًأو خرز أخرطت من عقيق

وبأرضها الباقلاء الذي فاح نشره، وصدق خَبر خُبره يبرز له من الكمائم، نور يحكي بلق الحمائم، كأنه لؤلؤ يقق، متلفع بمروط السرق أو خواتم من فضة، أو مخالب جوارح منقضة:

فصوص زمرد في غلف دربأقماع حكت تقلم ظفر
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة

والخشخاش الذي تضيء بنوره الأغباش. أعلام تميل مع الرياح، أو أكاليل على رؤوس الرماح:

حبلى تضم أُطيفالاً إذا درجوارأيت شملهم المنظوم منشورا

والكتان الذي رقت حواشي شققه وراقت محاسن

أخضره وأزرقه، وامتدت رياطه وحبره، وتبلبلت أصداغه وطُرره:

إذا درجت فيه الرياح تتابعتذوائبه حتى يقال غدير

وفيها من النبات ما يطول إليه بناني، ويقصر عن حصر وصف بعضه لساني. يسقى بماء

واحد، ويبطل قول المعترض والجاحد، ولعمري لقد بلغتني ما أملته من جلاء قلبي المعمود، وأذكرتني ما لم أكن ناسياً من فنائها وبقاء جنة الخلود، فإنها - وإن طاب جناها، وأوقفت النفوس على حلي من سناها - مؤذنة بالتلاشي والرحيل، ﴿قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ﴾.

فلما قضيت منها وطري ثنيت عنها عنان نظري، ومضيت ذاكراً محاسن صفتها وموصوفها، شاكراً سرو سرورها وعرف معروفها:

وعذراً فإني في الثناء مقصروقولي بالتقصير يبسط لي عذرا

النص من طبعة مطبعة الجوائب بالقسطنطينية (١٣٠٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نسيم الصبا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.