من «نسيم الصبا» لابن حبيب الحلبي (ت ٧٧٩هـ)
الفصل الرابع: في الليل والنهار
أرقت ذات ليلة في مهادي، فسمعت طارقاً ينادي في النادي
عتاب بن ورقاء الشاعر:
إن الليالي للأنام مناهلتطوي وتنشر بينها الأعمار
فقصارهن مع الهموم طويلةوطوالهن مع السرور قصار
فقمت من مضجعي، وقد بل ردني مدمعي، متحيراً في أمري، متأسفاً على ما فات من عمري، وقلت: أيها الطارق في ظلمة الليل الغاسق، هل لك في المنادمة؟ فقال: كم نديم سفك المنى، دمه. ثم سلم وجلس، وما تنفس وما نبس. فقلت: يا من شنف السمع بدُره، اذكر لي شيئاً في طول الليل وقصره. فقال:
وليل كواكبه لا تسيرولا هو منها يطيق البراحا
كيوم القيامة في طولهعلى من يراقب فيه الصباحا
مقيم ليس يبرح، وعاجز لا يظعن ولا ينزح، برد نجومه لا يذوب وغائب ضوئه ليس يؤوب، لا يبلى جديد مسحه، ولا يجنح إلى الحركة ساكن جنحه، عليله ما يرجى صلاحه، وصباحه، لا يلوح مصباحه، قطع الطريق على السحر، وعذب أجفان المحبين بالسهر:
حدثوني عن النهار حديثاًأوصفوه، فقد نسيت النهارا
كأنه صريع راح، أو طائر مقصوص الجناح، أو أسير يخبط
في قيده، أو بحر منع الجزر عن مده، أوكسير ليس له على النهوض اقتدار، أو ضرير يئس طرفه من رؤية النهار:
أو هائم غمر بقطع الفلاقد حار لا يدري بمن يهتدي؟
أو جيش زنج بالثرى قد ثوىأو دارة حيث انتهت تبتدي
واعلم أيها البصير الناقد، أنه يطول على المهجور الفاقد، ويقصر على المسرور الراقد
أبو سام ﵀:
ليلي كما شاءت فإن لم تزرطال، وإن زارت فليلي قصير
فقلت: إيه أيها الإمام، أسمعني شيئاً في وصف الأيام. فقال ابن الرومي ﵀:
لله أيام تقضت لناما كان أحلاها وأهناها
مرت فلم يبق لنا بعدهاشيء سوى أن نتمناها
حيث الوقت معين، دماء الشيبة معين، ونشر البشر فائح، ونور الهناء لائح، والحبيب مجيب، والرقيب غير قريب، وغصن الصبار طيب، ومطرف اللهو قشيب، والعيش غض
والدهر غضيض الطرف، وسعاد السعد ممنوعة من الصرف:
والشمل مجتمع، والجمع مشتملعلى الجميل وحسن الخلق والخلق
أيا أخا الأدب، إلى كم ذا الحرص والدأب، الأيام نجمها غرار، ومدعي الوفاء منها غدار، كثيرة الملال، سريعة الزوال، تفرق الحبائب، وتسترجع المواهب، ذمامها ذميم ومسالمها سليم. تحل العقود، ولا تحفظ العهود، تكدر الصافي من الشراب، وتعد الظامئ بورود السراب، لقد سقط من تمسك بعراها، وتعب من قصد الراحة من ذراها. قال التهامي رحمه الله تعالى:
ومكلف الأيام ضد طباعهامتطلب في الماء جذوة نار
ثم قال: مضت الجهمة والشفق، والفحمة والغسق والقطع والسدفة، والبهرة والزلفة وآن لنسمات السحر أن تتبختر، ولعيون الفجر أن تتفجر. وقام للوداع، فقلت زودني بأنعم المتاع.
فقال: دع إزار الأوزار، واتق من لا تدركه الأبصار، وسبحه بالعشي والإبكار ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ﴾.
النص من طبعة مطبعة الجوائب بالقسطنطينية (١٣٠٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع