تجاوز إلى المحتوى

من «نسيم الصبا» لابن حبيب الحلبي (ت ٧٧٩هـ)

الفصل التاسع: في الروض والأزهار

جد بي الوجد في إبان الربيع، إلى رؤية الغيث بمنازل الربيع. فسرت أحدق في جوانب الحدائق، وصحبني من الشوق وسائق، يتلوهن حاد وسائق. فإذا أنا بروضة أريضة، عيون أزهارها مريضة، قد فاح أرجها،

وأضاءت سرجها، وبرز إبريزها، وحسن تطريزها، وأبدت من زينتها ما هو باللطف منعوت، ونثرت على الزمرد أصناف الدر والياقوت، وتحلت بما يروق إنسان كل إنسان وتجلت في رفرف خضر وعبقري حسان، أعلن السحاب أسرارها وهتك النسيم أستارها:

كأن تفتحها بالضحىعذارى تحلل أزرارها
للشاعر كشاجم، من قصيدة «أرتك يد الغيث آثارها»

حكت الخنساء لا في الحزن بل في الحسن والفخر. ولها عيون تجري على الديباج لا على الصخر، يضوع عرفها في الآفاق ولا يضيع، ويبهر الطرف من صنع صنائعها كل زهر رفيع. تنهار جداولها وأنهارها، ويضحك في وجه من أم بابها وأملها، ثغر نوارها:

وما غربت نجوم الليل لكننقلن من السماء إلى الرياض

فمن ورد أحمر الإهاب، عندمي الخضاب:

كالشمس شكلاً ونشر المسك رائحةواللؤلؤ الرطب في تفريجه عرق

ملك جليل، مخصوص بالتبجيل، رفيع الجناب، خفيف الركاب. الرياحين جنده، والشوك سنانه وسلاحه، والعقبان والمرجان قلبه وجناحه:

مداهن من يواقيت مركبةعلى الزبرجد في أجوافها ذهب

ومنه الأبيض المذهب المفضض:

كأن وجوهه لما توافتبدور في مطالعها سعود
بياض في جوانبه احمراركما احمرت من الخجل الخدود
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «أَتاك الورد محبوباً مصوناً»

ومن نرجس باسم، عرفه ناسم:

كأنما صفرتهعلى بياض يقق
أعشار جزء ذهبتمن ورق في ورق

له عيون هدبها من لجين، وحدقها من خالص العين، قامت من الزبرجد على ساق، فهامت بها قلوب العشاق:

وأحسن مافي الوجوه العيونوأشبه الشيء بها النرجس

ومن ياسمين يجلو البصر، كأنه أقراط من الدرر، يحفظ الذمام، ولا يمل من طول المقام. ثغوره ضاحكة، وحسنه آمن من المشاركة:

والطرق الحمر في جوانبهكخد عذراء مسه عض

ومن نسرين، جوهر عقده ثمين، درر على زبرجد، أو حقاق ورق فيها برادة عسجد:

ما إن رأينا قط من قبلهزمرداً يثمر بلورا

ومن خلاف، ليس في طيب عرفه خلاف، حكي القدود باهتزازه، ويصل وعده بانجازه. كأنه ثمل من الراح وهو

يومئ برأسه نحوه، وكأن غصونه أحست برحلة الشتاء، فقلبت فروها:

والبان تحسبه سنانيراً رأتبعض الكلاب فنفشت أذنابها

ومن بنفسج حسن لباسه، وطابت انفاسه:

كأنه وضعاف القضب تحملهأوائل النار في أطراف كبريت
للشاعر ابن الحداد الوادآشي، اقرأ القصيدة

وفصوص فيروزج نضيدة، أو آثار قرص بخد خريدة، أو حروف لازوردية، أو بقايا نقش في راحة ندية:

أو أعين زرق كحلن بأثمد

ومن زعفران معطر الجيب والأردان:

كأنه ألسن الحيات قد شدخترؤوسها فاكتست من حمرة العلق

أو بصيص رماد، أو ألفات كتبت بالذهب لا بالمداد:

يتفرى عن قانيات حسانمثل هدب معصفر من رداء

ومن لينوفر يألف المياه، طمعاً في دوام الحياه، صفره السقام وعذبه، وغربه الأمل وغربه:

كأنه ودروع الماء تشملهتحت الشماع أكاليل الطواويس

أو طرف باهت من الفراق يفرق، أو سابح ضعيف يعوم ويغرق. يخفى بالليل ويظهر بالنهار، ويتكلم في الماء بألسنة من النار:

يحب الشمس لا يبغي سواهاويلحظها بمقلة مستهام
إذا غابت تكنفها اشتياقاًفنام لكي يراها في المنام

ومن آس ما لجرح محبه آس. يرعى العهود، ولا يميل إلى الصدور. كأنه بقية خضاب في

كف رداح، أو نضال ساهم أعدت للكفاح:

حكى لونه أصداغ ريم معذروصورته آذان خيل نوافر
للشاعر ابن وكيع التنيسي، اقرأ القصيدة

ومن ريحان يقول: إن وقت الري حان. كأنه وشم يد مطرفة. أو حلة مخضرة مفوفة، أو أطواق الحمام، أو سلاسل سوالف الغلام:

له حسن العوارض حين تبدووفيه لين أعطاف القوام

ومن منثور، منظوم جوهره منثور. عطافه مؤتلفة، وألوانه مختلفة. أبيضه وأحمره كثغر الجيب وخده، وأصفره كوجه من مني بإعراضه وصده، يبخل بشذاه نهاراً ويجود به ليلا، وإلام يتستر وهو متهتك في حب ليلى؟

كأنه عاشق يطوي صبابتهصبحاً وينشرها في ظلمة الغسق

ومن سوسن، تعالى الله ما أحسن. قائم على سوقه، ينتظر إياب معشوقه. من أزرق بهي الملبوس، وأبيض تميل إلى ضوء صبحه النفوس:

كأنه ملاعق من ورققد خط فيها نقط من عنبر

ومن خزامى، قدره لا يسامى. يسكن المنازل العلية، ويرفل في حلته اللازوردية. يا لها حلة فاخرة، وحلية باهية باهرة:

لو حواها الطاووس أصبح لاشكمهنا بملك طير الهواء

ومن أقحوان، جمع في مفرده القمران.

كشمسة من لجين في زبرجدةقد أشرقت حول مسمار من الذهب

ومن آذريون، أظهر القطر سره المكنون:

كأنه أغصانه فيروزج بهجمن فوقه ذهب في وسطه سبج

أو مسك في جام من ذهب، أو فحم أحاط به اللهب:

تراه عيوناً بالنهار نواظراًوعند غروب الشمس أزرار ديباج

ومن بهار، يبهر بحسنه الأبصار:

كسواعد من سندس وأكفهامن فضة حملت كؤوس عقار

ومن شقيق، أين منه المرجان والعقيق؟

كأنه وجنات أربع جمعتوكل واحدة في صحنها خال

ومن ومن ومن، إشارة فتى بالعجز عن الحصر قمن.

فلما تأملت محاسن هذه الروض الأنيق، ونظرت إلى ما فيها من النبات بعين الحقيقة، شكرت أيادي صانعها، ولجأت إليه وأثنيت على صائغها، وإن كنت لا أحصى ثناء عليه،

وقلت تعظيماً لأمره: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. وانشرح صدري بالوقوف على مغانيها، وجاد فكري حيث جال في معانيها، وامتلأ قلبي من نورها نوراً، وانقلبت إلى أهلي مسروراً.

النص من طبعة مطبعة الجوائب بالقسطنطينية (١٣٠٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نسيم الصبا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.