تجاوز إلى المحتوى

من «نسيم الصبا» لابن حبيب الحلبي (ت ٧٧٩هـ)

الفصل الحادي عشر: في وصف الجارية

تاقت نفسي إلى زيارة بعض الإخوان، فسرت إليه مشمراً

فضل الأردان، في ليلة سما قدرها، وتجلى على السماء بدرها.

فلما وصلت إليه، وانتظمت في سلك المجتمعين لديه، ظهر لي أنه متشوف إلى قادم، ومتشوق إلى حضور منادم: فكشفت الخبر وتقمصت الأثر، فقيل لي إنه واعد بعض الحسان، وهو منتظر إياب الإحسان. فما أتممت الكلام واتصلت من العلم إلى المرام، إلا وقد أقبلت من الباب، خود تختلس الألباب، غادة رؤود طفلة أملود. كاعب رداح، ترتاح لها الأرواح. عديمة المثال، نشأت في حجر الدلال. يسرح الطرف في روض جمالها وينتزه، وتمحو بكثير محاسنها البديعة ذكر عزة، في حليها وحللها تميد وتميل، وبالجملة فهي بثينة الحسن لأن وجهها جميل.

فوقفت واستأنست، ثم سلمت وجلست، فسر الجماعة بورودها، وتملوا من جنة وجنتيها بورودها. وأقبل يمن إقبالهم، وأنشد لسان حالهم:

أهلاً وسهلاً من غادة سمحتبالوصل ليلاً ولم تحذر من الحرس
لما تبدت أضا الداجي، ولا عجبفطرة الصبح تمحو آية الغلس

فلما كشفت القناع، وصدق النظر السماع، تأملت أوصافها، وسبرت شمائلها وأعطافها، فرأيت ما يشرف النظر ويشنف السمع، ويذيب القلوب على ناره ذوب الشمع.

فمن فرع نامي الأوراق،

مرسل لتعذيب العشاق، جثل أسحم يتلوى كالأرقم، غدائره مجمدة كالغدير، وضفائره مظفرة بقتل الأسير:

كأنها فيه نهار ساطعوكأنه ليل عليها مظلم

ووجه مشرق الأنوار، تحج إلى كعبته الأبصار. يزين اللآلئ والدرر، ويستمد من ضوئه الشمس والقمر، مرآته صقيلة، ومعاني حسنه جميلة. يترقرق فيه ماء الصبا، ويخفي من لمعه بروق الظبا:

عوذت بالسور المنيرة وجههاوهو الجدير بأن يكون معوذا

وجبين واضح، تحن إليه الجوارح، يتلألأ مصباحه، ويتبلج في ليل الطرة صباحه:

فتاة يسر القلب والطرف حسنهاكأن الثريا علقت في جبينها

وحواجب تذيب المهج، وتجذب الأرواح من قسيها بقبضة البلج كأنها هلال محني القوام، أو فخ نصب لصيد أهل الغرام:

إذا شمت تحت الحاجبين جفونهاترى السحر منها قاب قوسين أو أدنى

وعيون بابلية، كم أوقعت لمن إليها صبا بلية، تسل السيوف، وترسل الحتوف، صحاح مراض، ليس لسهامها سوى القلوب أغراض:

لله أي لواحظ غلابةللأسد في وثباتها وثباتها

وخد كالجلنار، قد جمع بين الماء والنار، يشف الراح في زجاجه، ويهتدي الحائر بنور سراجه. يزهو بورده الأحمر الطري، وأظنه من دم المحبين غير بري:

تركية للقان ينسب خدهاواشقوتي منها بخد قاني

وخال يختال في أحلى الحلل، له من الأقراط والشنوف خول. كأنه من الدائرة قطبها، ومن القلوب المتقلبة على نار حبها:

فتنت بخال فوق خدك صانهأبوك فويلي من أبيك وخالك
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «تصرمت الأيام دون وصالك»

ومرشف عذب الأرياق، رضابه لسليم الهوى نعم الدرياق. فيه ماء مبرد، وثغر جوهري صحاحه منضد، ولعس يهيم به ذو الشوق، وشهد يشهد بحلاوته الذوق:

وبه شراب مسكر ما ذاقتهلكنني أروي عن المسواك

وعنق كعنق ريم، در عقوده نظيم. يطوف الحلي بأركانه، ويملك الرق بورقه وعقيانه:

وجيد جداية لا عيب فيهسوى منع المحب من العناق

ونهود كالعاج، ملتحفة بمروط الديباج، رفيعة المنار، شغلت الحلي أن يعار. إن ثنيتها لم تجد عندها عطفاً لمرتاح، وإن لثمتها نشقت من الرمان عرف التفاح:

كحقين من لبّ كافورةبرأسيهما نقطتا عنبر

وبنان رطيب، على مثله يدور الخطيب، مقبل بالأفواه، مصافح بالجباه، فضّيّ الإهاب، مرقوم بالخضاب:

فما أعذب السكب من أدمعيوأحلى المشبك من نقشها

وقوام يقيم الحروب، ويثير كرّ الكروب. كامل الحسن مهفهف، وافر الدالّ مثقف. الرماح تخضع لديه، والأغصان تسجد بين يديه:

وقد روت عن لينه واعتدالهصحاح العوالي مسنداً بعد مسند
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «عذيري من ساجي اللواحظ أغيد»

وخصر نحيل، يشكو من ردفها الثقيل. ليس فيه حظ للمجتني لو سألتها عنه لقالت فني:

عيون الناظرين به أحاطتفلم تحتج إلى عقد الوشاح

وأردافٍ كالأحقاف، وعدها موسوم بالإخلاف، خارجة عن العادة، لكن فيها للمحبين الحسنى وزيادة:

تمشي بأردافٍ أبين قعودهابين النساء كما أبين قيامها
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة

وسوقٍ جمد ماؤها، وبهر الأعين ضياؤها. مشرقة النور، قصبها من بلور:

لو لم يكن من برد ساقهالاحترقت من نار خلخالها
للشاعر كشاجم، من قصيدة «هل حاكم يعدي على ظبية»

وأقدام لها على الفتك إقدام. تمشي كالقطا ولا تخطئ قياس الخطا:

كأن مشيتها من بيت جارتهامرّ السحابة، لا ريث ولا عجل
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ودع هريرة إن الركب مرتحل»

وعليها من الحلي والحلل، ما يفتن العقول ويدهش المقل. فمن در ثمين كثغرها، وبلور صافٍ كصدرها، وعقيق كشفتيها، وياقوت كوجنتيها. وسبج كأجفانها، وزمرذ كنقش بنانها، وقميص رقيق الحواشي، ومطرف يحار في وصفه الناشي:

إلى مثلها يرنو الحليم صبابةًإذا ما اسبكرّت بين درع ومجول
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

فلما أنست بالقوم، كفّت عنها لسان اللوم، وظهرت عن خلقٍ وسيم، وطباع ألطف من النسيم، ومنادمة تطرب الأسماع، ومداعبةٍ ما الصبر عنها بمستطاع، وملحٍ ألذ من الزلال، وحديث لو لم يجن قتل المحبّ لقيل هو السحر الحلال.

وحديثها السحر الحلال لو أنهلم يجن قتل المسلم المتحرز
للشاعر البحتري، من قصيدة «وحديثها السحر الحلال لو أنه»
إن طال لم يملل، وإن هي أوجزتودّ المحدّث أنها لم توجز
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «وحديثها السحر الحلال لو انها»

والسعد يطلع نجمه، والشمع واقف في الخدمة. وعرف الطيب يفوح، وأعلام الهناء تلوح، وشمل الضد مفرق، والعود يحرك ويحرق. يا له ليلة محي ظلامها ونور الأفق ابتسامها، وحليت عروسها، وطلعت حارقةً للعادة شموسها. لم ير فيها ما يشين ويعيب،

سوى أنها أقصر من جلسة الخطيب.

ولم نزل في بشر وافر، وسرور متواتر، نجتلي وجوه الأفراح المتتابعة، ونجتني من الوصل ثماره اليانعة، إلى أن صاح العترفان، ولا في المشرق ذنب السرحان. فعزمت

الجارية على الذهاب، وأمرت بإحضار الإزار والنقاب. فقمنا إلى موقف الوداع، وتشتت الشمل بعد الاجتماع:

وكان الدمع لي ذخراً معداًفأنفقت الذخيرة حين ساروا

النص من طبعة مطبعة الجوائب بالقسطنطينية (١٣٠٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نسيم الصبا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.