تجاوز إلى المحتوى

من «روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار» لابن الخطيب قاسم (ت ٩٤٠هـ)

الروضة الرابعة والثلاثون في البكاء والحزن والمكاره والشدائد والبلايا والخوف والجزع والشكوى والعتاب

بكى نوح ﵇ ثلاثمائة سنة بقوله: إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي

. وصف عيسى ﵇ أولياء الله فقال: سقوا زروعهم بأعينهم حتى أنبتوا وأدركوا الحصاد يوم فقرهم. أنس ﵁: «ذكر رسول الله ﷺ النار وبين يديه حبشيّ فاشتدّ بكاؤه، فنزل جبريل ﵇ فقال: يا محمد إنّ الله تعالى يقول: وعزّتي وجلالي وكرمي وسعة رحمتي لا تبكي عين عبد في الدنيا من مخافتي إلّا كثر ضحكه في الآخرة». كعب: لأن أبكي من خشية الله حتى تسيل دموعي على وجنتي أحبّ إليّ من أن أتصدّق بجبل من ذهب.

بعضهم: رأيت الحسن سنين فما أخطأني يوم أن أرى دموعه تحادر على لحيته. بكى ثابت البنانيّ حتى كاد بصره يذهب، فقال له الطيب: أعالجك على أن لا تبكي، فقال: ما خيرهما إذا لم تبكيا؟. معاوية بن قرّة: من يدلّني على رجل بكّاء بالليل بسّام بالنهار؟. كان يقال: عليك بسلاح الصبيّ. أرادوا التملّق والبكاء.

عن البعض أنه قال: ولدت وأنت تبكي والناس يضحكون، فاجتهد أن تموت ضاحكا والناس يبكون. فنظمه بعضهم وقال:

أنت الذي ولدتك أمّك باكياوالناس حولك يضحكون سرورا
فاحرص على عمل تكون إذا بكوافي يوم موتك ضاحكا مسرورا

وقيل:

أمور تضحك السفهاء منهاويبكي من عواقبها اللبيب

فضيل: البكاء بكاءان: بكاء بالقلب، وبكاء بالعين، فبكاء القلب البكاء على الذنوب وهو البكاء النافع، وأمّا بكاء العين فإنك ترى الرجل تبكي عيناه وإنّ قلبه لقاس. وقال ذرّ لابنه عمر: ما بالهم يتكلّمون فلا يبكي أحد وإذا تكلّمت أنت كثر البكاء؟ قال: يا أبت ليست النائحة المستأجرة كالنائحة الثكلى. أبو حنيفة ﵁: عن حمّاد قال: بشّرت إبراهيم بموت الحجّاج فسجد، وما كنت أرى أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت إبراهيم بكى من الفرح. بعضهم:

هجم السرور عليّ حتى إنهمن فرط ما قد سرّني أبكاني
للشاعر إسماعيل صبري، اقرأ القصيدة
إنّ السرور إذا تزايد بامرىءأبكاه مثل تزايد الأحزان

كان سفيان عند رابعة فقال: واحزناه، فقالت: قل: واقلّة حزاناه، فإنك لو كنت حزينا ما هنأك العيش. أبو بكر محمد بن أحمد: رأيت الشبليّ في الجامع وقد كثر الناس عليه وهو يقول: رحم الله عبدا دعا لرجل فقد بضاعته.

فخرق الحلقة غلام حدث وقال: من صاحب البضاعة؟ قال: أنا، قال:

ما البضاعة؟ قال: الصبر، وقد فقدته، فبكى الناس بكاء عظيما. أويس القرني رحمة الله عليه: كن في أمر الله كأنك قتلت الناس كلّهم، يعني خائفا مغموما.

أبو حنيفة ﵀: ما أعلم أشدّ حزنا من المؤمن، يشارك أهل الدنيا في

همّ المعاش، وتفرّد بهمّ آخرته. شعيب بن حرب: كنت إذا نظرت إلى الثوريّ رأيته كأنه رجل في أرض مسبعة خائف الدهر كلّه، وإذا نظرت إلى عبد العزيز بن أبي روّاد رأيته كأنه يطّلع إلى القيامة من كوّة. الأعمش: كنت إذا رأيت مجاهدا ظننت أنه خربندج ضلّ حماره، وهو مغتمّ يتفكّر في أمر الآخرة. إبراهيم بن بشار: صحبت إبراهيم بن أدهم فرأيته طويل الحزن دائم الفكر واضعا يده على رأسه كأنما أفرغت عليه الهموم إفراغا.

عن داود صلوات الله عليه قال: إلهي أمرتني أن أطهّر قلبي ووجهي ويديّ ورجليّ، فبماذا أطهّر قلبي؟ قال: يا داود بالهموم والغموم. ليث بن الحكم:

الغموم التي تعرض للقلوب كفّارات للذنوب. أبقراط: للقلب آفتان: الغمّ يعرض منه النوم، والهمّ يعرض منه السّهر، لأن في الهمّ فكرا بما سيكون والغمّ لا فكر فيه. جالينوس: الهمّ فناء القلب، والغمّ مرضه. ثم بيّن وقال: الغمّ بما فات، والهمّ بما هو آت. لم يزل زكريا يرى ولده يحيى ﵉ مغموما باكيا مشغولا بنفسه، فقال: يا ربّ طلبت منك ولدا أنتفع به، قال:

طلبته وليّا والوليّ لا يكون إلّا هكذا.

تزوّج مغنّ نائحة فسمعها تقول: اللهمّ أوسع علينا في الرزق، فقال: يا هذه إنما الدنيا فرح وحزن، وقد أخذنا بطرفي ذلك، إن كان فرح دعوني وإن كان حزن دعوك. نفقت دابّة (الجنديّ) فقيل له: لا تغتمّ فلعلّه خير، فقال: لو كان خيرا لكان حيّا وإلى جنبه بغل. سمع حكيم رجلا يقول لآخر: لا أراك الله مكروها، فقال: كأنك دعوت عليّ بالموت، فإنّ من كان في الحياة فلا بدّ وأن يرى مكروها. قيل:

الدهر سلك حوادث وخطوب

أبو العتاهية:

تأتي المكاره حين تأتي جملةوترى السرور يجيء في الفلتات
للشاعر ابن يسير الرياشي، اقرأ القصيدة

الشافعيّ ﵀:

محن الزمان كثيرة لا تنقضيوسروره يأتيك كالأعياد
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «محن الزمان كثيرة لا تنقضي»

كان لسفيان جار مخنّث فمرض فعاده سفيان مع أصحابه فقال: كيف تجدك؟

فقال: إنّ العلل والآفات تجيء باقات والعافية تجيء طاقات، فقال سفيان: ما خرجنا إلّا بفائدة. قيل: الدنيا حسودة لا تأتي بشيء إلا غيرته. قيل للحسن:

كيف أصبحت؟ فقال: كيف يصبح من هو غرض لثلاثة أسهم: سهم رزيّة وسهم بليّة وسهم منيّة. وقيل لآخر هذا، فقال: أصبحت غرض الرزايا والبلايا والمنايا. وقيل: الليل والنهار غرسان يثمران للبريّة صنوف البليّة. قيل لأعرابيّ: كيف أصبحت؟ قال: لا كما يرضى الله تعالى ولا كما يرضى الشيطان ولا كما أرضى أنا، فإن الله يرضى أن أكون مؤمنا عابدا، والشيطان يرضى أن أكون كافرا، وأنا أرضى أن أكون مرزوقا، ولست كذلك. قيل للشبليّ: في الدنيا أشغال وفي الآخرة أهوال، فمتى النجاة؟ فقال: دع أشغالها تأمن أهوالها. عليّ ﵁: زوايا الدنيا مشحونة بالرزايا.

قيل: البرايا أهداف البلايا. الصاحب: الإنسان بين أنياب الدهر ونوائبه تحطّمه بصريفها وتعتوره بصروفها. فرقد السنجيّ: قرأت في التوراة التي لم تتبدّل: من ملك استأثر، ومن لم يستشر ندم، والحاجة الموت الأكبر، والهمّ نصف الهرم. قيل: الهمّ يشيّب القلب ويعقم العقل فلا يتولّد معه رأي ولا

تصدق معه رويّة. الثوريّ: لم يفقه عندنا من لم يعدّ البلاء نعمة والرخاء مصيبة. مرّ موسى ﵇ برجل كان يعرفه مطيعا لله وقد مزّقت السباع لحمه وأضلاعه، وكبده ملقاة، فوقف متعجّبا فقال: أي ربّ عبدك ابتليته بما أرى، فأوحى إليه أنه سألني درجة لم يبلغها بعمله، فأحببت أن أبتليه لأبلغه تلك الدرجة. عن النبيّ ﷺ: «إذا أحبّ الله عبدا ابتلاه وإذا أحبّه الحبّ البالغ اقتناه، قالوا: وما اقتناؤه؟ قال: لا يترك له مالا ولا ولدا».

حذيفة ﵁: إنّ أقرّ يوم لعيني ليوم لا أجد فيه طعاما، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله ليتعاهد عبده المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الوالد ولده بالخير، وإن الله يحمي عبده المؤمن من الدنيا كما يحمي أحدكم المريض من الطعام». وهب بن منبّه: البلاء للمؤمن كالشكال للدابّة. جابر بن عبد الله رفعه: «يودّ أهل العافية يوم القيامة أنّ لحومهم كانت تقرض بالمقاريض لما يرون من ثواب الله لأهل البلاء». الشيخ الشاطبيّ: كان يعتلّ العلّة الشديدة فلا يشتكي ولا يتأوّه، وإذا سئل عن حاله قال: العافية، ولا يزيد على ذلك. قيل:

لله درّ النائبات فإنهاصدأ اللئام وصيقل الأحرار
للشاعر التهامي، من قصيدة «حكم المنية في البرية جاري»

الجاحظ: جهد البلاء أن تظهر الخلّة وتطول المدّة وتعجز الحيلة ثم لا تعرف إلّا أخا صارما وابن عمّ شامتا وجارا كاشرا ووليّا قد تحوّل عدوّا وزوجة مختلقة وجارية متعبة وعبدا يحقرك وولدا ينهرك. العرب: ويل أهون من ويلين. يقال:

خرط القتاد دونه. لمّا اتخذ الله إبراهيم ﵇ خليلا ألقى في قلبه الوجل

حتى إن خفقان قلبه ليسمع من بعيد كما يسمع خفقان الطير في الهواء. مسروق:

إنّ المخافة قبل الرجاء فإنّ الله تعالى خلق جنّة ونارا فلن تخلصوا إلى الجنّة حتى تمرّوا بالنار. قيل لفضيل: بم بلغ ابنك الخوف الذي بلغ؟ قال: بقلّة الذنوب.

عن بعض أصحاب عطاء يقول: إن أخوف ما أخاف على عطاء شدّة خوفه، وقد انسلخ مجرى دموعه من البكاء. قيل لرابعة القيسية: هل عملت عملا ترين أنه مقبول؟ قالت: إن كان شيء فخوفي من أن يردّ عليّ عملي. فضيل: إذا قيل لك: أتخاف الله تعالى؟ فاسكت، فإنك إن قلت لا فقد أجبت بأمر عظيم، وإن قلت نعم فالخائف لا يكون على ما أنت عليه. بعض أهل المعرفة: لا يجزع من المصيبة إلّا من يتهم ربّه.

شكا رجل إلى آخر الفقر فقال له فضيل: يا هذا تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك. محمد بن الحسين:

لا تظهرنّ لعاذل أو عاذرحاليك في الضرّاء والسرّاء
للشاعر ابن الشبل البغدادي، اقرأ القصيدة
فلرحمة المتوجعين مرارةفي القلب مثل شماتة الأعداء

الأحنف: شكوت إلى عمّي صعصعة بن معاوية وجعا في بطني فنهرني ثم قال: يابن أخي إذا نزل بك شيء فلا تشكه إلى أحد، فإنما الناس رجلان:

صديق تسوءه وعدوّ تسرّه، والذي بك لا تشكه إلى مخلوق مثلك، فإنه لا يقدر على دفع مثله عن نفسه، ولكن إلى من ابتلاك به وهو قادر على أن يفرّج عنك، يا بن أخي إحدى عينيّ هاتين ما أبصر بها سهلا ولا جبلا منذ أربعين سنة وما أطلعت على ذلك امرأتي ولا أحدا من أهلي. قيل: ليس بمحافظ على الخلّة من لا يعاتب على الزلّة.

أبو تمام:

إذا ذهب العتاب فليس ودّويبقى الودّ ما بقي العتاب

غيره:

إذا عاتبتني في كلّ ذنبفما فضل الكريم على اللئيم

غيره:

وليس عتاب المرء للمرء نافعاإذا لم يكن للمرء لبّ يعاتبه

عليّ بن الوصيف:

إذا أنا عاتبت الملول فإنماأخطّ بأقلامي على الماء أحرفا
وهبه ارعوى بعد العتاب ألم تكنمودّته طبعا فصارت تكلّفا

غيره:

غيري جنى وأنا المعاتب فيكمفكأنني سبّابة المتندّم

النص من طبعة دار القلم العربي بحلب (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.