تجاوز إلى المحتوى

من «روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار» لابن الخطيب قاسم (ت ٩٤٠هـ)

الروضة السابعة والعشرون في الصحة والنعمة وشكرها وكفرانها والتوكل والقناعة

معاوية بن قرّة: أشدّ الناس حسابا الصحيح الفارغ. ابن عيينة: من تمام النعمة طول الحياة في الصحة والأمن والسرور. عائشة ﵂: لو رأيت ليلة القدر ما سألت الله إلا العفو والعافية. بزرجمهر: إن كان شيء فوق الحياة فالصحة، وإن كان شيء مثل الحياة فالغنى، وإن كان شيء فوق الموت فالمرض، وإن كان شيء مثل الموت فالفقر. ابن السماك: النعمة من الله على عبده مجهولة فإذا فقدت عرفت. موسى ﵇: يا ربّ دلني على أخفى نعمة، قال: النفسان تدخل أحدها وهو بارد وتخرج الآخر وهو حارّ ولو لاهما لفسد عيشك، وهل تبلغ قيمة نفس منهما؟

من جعل الحمد خاتمة للنعمة جعله الله فاتحة للمزيد. كان الصاحب يقول:

أستحسن قول البحتريّ: الشكر نسيم النعم. قيل: من لم يشكر الله على النعمة فقد استدعى زوالها. عليّ ﵁: إذا وصل إليكم أطراف النعم فلا تنفروا أقصاها بقلّة الشكر. وعنه ﵁: إذا رأيت ربك يتابع عليك نعمه فاحذره. حكيم: للشكر ثلاث منازل: ضمير القلب، ونشر اللسان، ومكافأة اليد. أعرابيّ: من كان مولى نعمتك فكن عبد شكره عليها. في الحكمة: عند التراخي عن شكر النعم، يحلّ عظيم النقم. أنشدت عائشة ﵂:

نجزيك أو نثني عليك وإنّ منأثنى عليك بما فعلت كمن جزى

فقال رسول الله ﷺ: «صدق القائل يا عائشة، إن الله إذا أجرى على يد رجل خير الرجل فلم يشكره فليس لله بشاكر». قيل لذي الرمّة: لم خصصت بلال بن أبي بردة بمدحك؟ قال: لأنه وطأ مضجعي وأكرم مجلسي وأحسن صلتي، فحقّ لكثير معروفه عندي أن يستولي على شكري. يقال: شكر الإله بطول الثناء، وشكر الولاة بصدق الولاء، وشكر النظير بحسن الجزاء، وشكر من دونك ببذل العطاء.

لأشكرنّك معروفا هممت بهإنّ اهتمامك بالمعروف معروف
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
ولا ألومك إن لم يمضه قدرفالشيء بالقدر المحتوم مصروف

سأل المنصور بعض بطانة هشام عن تدبيره في حروبه فقال: فعل كذا وصنع كذا ﵀. فقال المنصور: عليك لعنة الله تطأ بساطي وتدعو لعدوّي. فقام الرجل وهو يقول: والله إن نعمة عدوّك لقلادة في عنقي لا ينزعها إلا غاسلي.

فقال المنصور: ارجع يا شيخ فإني أشهد أنك نتيجة حرّة وثمرة شريف، ودعا له بمال. فقال: لولا افتراض طاعتك ما قبلت بعده لأحد نعمة. فقال المنصور:

لكفيت قومك فخرا، كن أوّل داخل عليّ وآخر خارج من عندي.

إن الذي هو كالقرطاس والقلمأخو اللسانين ذو وجهين في الكلم
سوّد محياه كالقرطاس منتقماواضرب مقلّده بالسيف والقلم

جلس المعتصم في خلافته وجعل إبراهيم بن المهديّ يقلب خاتما في يده، فقال العباس بن المأمون: ما هذا الخاتم؟ فقال: خاتم رهنته في أيام أبيك فما فككته إلا في أيام أمير المؤمنين. فقال العباس: لئن لم تشكر أبي على حقن دمك مع عظم جرمك فلا تشكر أمير المؤمنين على فكّ خاتمك. فأفحمه. عليّ

رضي الله عنه: أقلّ ما يلزمكم لله أن لا تستعينوا بنعمه على معاصيه.

فلو أنّ لي في كلّ منبت شعرةلسانا يطيل الشكر فيك لقصّرا

قيل: اشكر لمن أنعم عليك، وأنعم على من شكرك. يقال: النعم محتاجة إلى الأكفاء، كما تحتاج إليها الكرائم من النساء، وأهل البطر ليسوا من أكفاء النعم، كما أنّ الأرذال ليسوا أكفاء عقائل الحرم. يقال: اللئيم كالنار إكرامها إضرامها، وكالخمر حبيبها سليبها، وتبيعها صريعها. الحسن: إذا استوى يوماك فأنت ناقص. قيل: كيف ذاك؟ قال: إن الله زادك في يومك هذا نعما فعليك أن تزداد فيه شكرا. داود ﵇: إلهي كيف أشكر لك وأنا لا أطيق الشكر إلا بنعمتك؟ فأوحى إليه: يا داود ألست تعلم أن الذي بك من النعم منّي؟ قال:

بلى يا ربّ. قال: فإني أقتصر على ذلك منك شكرا.

عن النبيّ ﷺ: «القناعة مال لا ينفد». قيل لأبي حازم: ما مالك؟ قال:

لي مالان لا أخشى معهما الفقر: الثقة بالله واليأس مما في أيدي الناس. أبو عبيد: سمعت الشافعيّ ﵀ يقول لمحمد بن الحسن وقد دفع إليه خمسين دينارا: لا تحتشم. فقال محمد: لو كنت عندي ممن أحتشمه ما قبلت برّك.

أهدى عصام إلى حاتم شيئا فقبله فقيل: لم قبلت؟ قال: وجدت في أخذي ذلي وعزّه، وفي ردّه عكسه، فاخترت ذلي وعزّه.

الثوريّ: ما وضع أحد يده في قصعة غيره إلّا ذلّ له. وعنه ﵀: لم يفقه عندنا من لم يعدّ البلاء نعمة، والرخاء مصيبة. من باع الحرص بالقناعة فقد ظفر بالغنى. رويم البغدادي: الصبر ترك الشكوى، والرضا استلذاذ

البلوى. صلى معروف الكرخي خلف إمام فلما انفلت قال له: من أين تأكل؟

قال: اصبر لي حتى أعيد ما صليت خلفك. قال: ولم؟ قال: لأن من شك في رزقه شك في خالقه. إن نباشا تاب على يدي أبي يزيد البسطامي ﵀ فسأله أبو يزيد عن حاله فقال: نبشت عن ألف فلم أر وجوههم إلى القبلة إلا رجلين. فقال أبو يزيد: مساكين أولئك تهمة الرزق حوّلت وجوههم عن القبلة.

وعن عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه:

أتطلب رزق الله من عند غيرهوتصبح من خوف العواقب آمنا
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «أتطلب رزق الله من عند غيره»
وترضى بصرّاف وإن كان كافراضمينا ولا ترضى بربك ضامنا

قيل لرابعة العدوية رحمها الله: قد غلا السعر بالبصرة فقالت: لو كان وزن حبة من الطعام بمثقال ذهب ما باليت، فإنّ علينا أن نعبده كما أمرنا، وعليه أن يرزقنا كما وعدنا. محمد بن إدريس الأندلسي:

مثل الرزق الذي تطلبهمثل الظلّ الذي يمشي معك
للشاعر مرج الكحل، اقرأ القصيدة
أنت لا تدركه متبعافإذا وليت عنه تبعك

بعضهم: رأيت الحسين بن منصور ينشد وهو فوق الخشبة:

طلبت المستقرّ بكل أرضفلم أر لي بأرض مستقرّا
للشاعر الحلاج، من قصيدة «طلبت المستقر بكل أرض»
أطلت مطامعي فاستعبدتنيولو أني قنعت لكنت حرّا

وقيل:

إن كان عندك رزق اليوم فاطّرحنعنك الهموم فعند الله رزق غد

والله أعلم.

النص من طبعة دار القلم العربي بحلب (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.