تجاوز إلى المحتوى

من «روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار» لابن الخطيب قاسم (ت ٩٤٠هـ)

الروضة الرابعة والعشرون في العزّة والشرف والرياسة والذلّ والهوان والخسّة وسقوط الهمّة وما ناسب ذلك

قيل للحسن بن عليّ ﵄: فيك عظمة، قال: لا بل فيّ عزّة، قال الله تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ

. كان الرجل يجلس مع الحسن إلى ثلاث حجج لا يسأله عن مسألة، هيبة له. عن النبي ﷺ:

«قدّموا قريشا ولا تقدّموها وتعلّموا منها ولا تعلّموها». سئل عيسى ﵇: أيّ الناس أشرف؟ فقبض قبضتين من تراب ثم قال: أيّ هذين أشرف؟

ثم جمعهما وطرحهما وقال: الناس كلّهم من تراب وأكرمهم عند الله أتقاهم.

بعض الفضلاء: الشرف بالهمم العالية، لا بالرمم البالية. عبد الله بن عباس ﵄: سمعت أبا بكر الصديق ﵁ ينشد:

إذا أردت شريف الناس كلهمفانظر إلى ملك في زيّ مسكين
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «لتجدعن المنايا كل عرنين»
ذاك الذي حسنت في الناس سيرتهوذاك يصلح للدنيا وللدين

غيره:

بلغت سماء المجد عزّا ورفعةرويدا فما فوق السموات منزل

غيره:

والدرّ والدرّيّ خافا جودهفتحصّنا في البحر والأفلاك

غيره:

ويكاد من كرم الطباع وليدهميهب التمائم ليلة الميلاد
للشاعر ابن هندو، اقرأ القصيدة
وإذا امتطى مهدا فليس ينيمهإلا نشيد مدائح الأجداد
للشاعر ابن هندو، اقرأ القصيدة

أبو الطيب:

فقد غيّب الشهّاد في كلّ موطنوردّ إلى أوطانه كلّ غائب

أبو تمام:

هيهات لا يأتي الزمان بمثلهإنّ الزّمان بمثله لبخيل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «بأبي وغير أبي وذاك قليل»

وله ﵀:

تعوّد بسط الكفّ حتى لو انهثناها لقبض لم تطعه أنامله
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أجل أيها الربع الذي خف آهله»
ولو أنّ ما في كفّه غير نفسهلجاد بها فليتّق الله سائله

زهير:

تراه إذا ما جئته متهلّلاكأنك تعطيه الذي أنت سائله
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله»

وقيل:

تواضع لمّا زاده الله رفعةوإن رفيع القدر من يتواضع

أبو الحسين البلخي: معاداة الأغنياء، من عادات الأغبياء. ومن عادى معانا عاد مهانا، لأن اعتزاء الغنيّ إلى الله واعتزازه بصنع الله. أراد عاصم الخروج إلى

البصرة فقال للشعبيّ: ألك حاجة؟ قال: إذا أتيتها فبلّغ الحسن سلامي. قال:

ما أعرفه. قال: انظر إلى أجلّ رجل في عينك وأهيبه في صدرك فأقرئه سلامي، هو أنور من ليلة القدر، وأشهر من يوم بدر. مخرمة بن عبد الله:

ما رأيت من العلماء أهيب من الشافعيّ من بعيد ولا أبرّ وأكرم من قريب.

الشعبيّ: كانت درّة عمر ﵁ أهيب من سيف الحجاج. ولما جيء بالهرمزان ملك خوزستان أسيرا إلى عمر لم يزل الموكّل به يقتفي أثر عمر حتى عثر عليه في المسجد نائما متوسّدا درّته، فلمّا رآه الهرمزان قال: هذا هو الملك؟! والله إني خدمت أربعة من الملوك الأكاسرة أصحاب التيجان فما هبت أحدا منهم كهيبتي لصاحب هذه الدرّة. دخل أبو تمام على أحمد بن أبي داود وقد طال وقوفه بالباب ولم يصل إليه فقال أحمد: أحسبك عاتبا، فقال: إنما يعتب على واحد وأنت الناس جميعا، فقال: من أين لك هذا؟ قال: من قول أبي نواس:

وليس لله بمستنكرأن يجمع العالم في واحد

ابن المقفّع: من تعزّز بالله لم يذلّه سلطان، ومن توكّل عليه لم يضرّه إنسان. من طال كلامه سئم، ومن قلّ احترامه شتم. إياك واللّجاج فإنه يوغر الصدور، وينتج النفور، ويقلّب القلوب، ويفتح باب الحروب. يقال: هو في عيش غريض وجاه عريض. اصطنع أنوشروان رجلا فقيل: إنه لا قديم له، فقال: اصطناعنا إيّاه بيّنه وشرّفه.

يقال: أسباب الرياسة خمسة: صدق اللهجة، وكتمان السرّ، والوفاء

بالعهد، وابتدار النصيحة، وأداء الأمانة. أرسطو: الارتقاء إلى السؤدد صعب، والانحطاط إلى الدناءة سهل. وعنه: لا يسود من يتتبع العيوب الباطنة من إخوانه. يقال: التنقير تنفير. وقيل: التنقيب يريب الأريب.

فضيل: ما عشق الرياسة أحد إلا حسد وبغى وطغى. وعنه: من عشق الرياسة لم يفلح. وعنه: لا يطلب الرياسة أحد إلّا طلب عيوب الناس ومساوئهم، وكره أن يذكر أحد عنده بخير. وعنه: ما كثر تبع رجل إلا كثرت شياطينه. إبراهيم بن أدهم: كن ذنبا ولا تكن رأسا، فإنّ الذنب ينجو والرأس يهلك. خالد بن صفوان: كان الأحنف يفرّ من الشرف والشرف يتبعه.

الحسن: لقد صحبت أقواما: إنّ الرجل [منهم] لتعرض له الكلمة من الحكمة، لو نطق بها لنفعته ونفعت أصحابه، فما يمنعه إلا مخافة الشهرة. قال رجل لابن الجوزي: تركت الدنيا وحبّ الرياسة لا يخرج من قلبي. فقال:

المكاتب عبد ما بقي عليه درهم. أبو هريرة عن النبيّ ﷺ: «كفى بالمرء فتنة أن يشار إليه بالأصابع».

ابن سيرين: لم يمنعني من مجالستكم إلا مخافة الشهرة، فلم يزل بي البلاء حتى أخذ بلحيتي فأقمت على المصطبة. فقيل: هذا ابن سيرين. فضيل: كان أحدهم إذا جلس إليه أربعة أو أكثر قام مخافة الشهرة. قال معمر: رأيت قميص أيوب يكاد يمشي على الأرض، فقلت: ما هذا؟ قال: إنما كانت الشهرة فيما مضى في تذييلها واليوم الشهرة في تقصيرها. وكان يقول للخياط: اقطع وأطل فإنّ الشهرة اليوم في القصر.

أوس بن حارثة الطائي: من قلّ ذلّ، ومن أمر فلّ. عليّ ﵁:

مسكين ابن آدم: مكتوم الأجل، مكتوب العمل، تؤذيه البقّة، وتقتله الشقّة، وتنتنه العرقة، وتميته الغرقة. ذمّت أعرابيّة قوما فقالت: لهم صبر على غضّ الهوان. في ديوان المنظوم:

الهون والموت إن خيّرت بينهمافعجّل الموت لي إن أختر الهونا

قال الحسين ﵁ يوم قتله:

وذلّ الحياة وذلّ المماتوكلا أراه طعاما وبيلا
فإن كان لا بدّ إحداهمافسيروا إلى الموت سيرا جميلا

وقيل:

ولا يقيم على ضيم يراد بهإلا الأذلّان عير الحيّ والوتد
هذا على الخسف مربوط برمّتهوذا يشجّ فلا يرثي له أحد
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «إن الهوان حمار القوم يعرفه»

سئل أبو حنيفة عن السّفلة فقال: هم كفّار النعمة. وعن أبي يوسف: هم البائعون دينهم بالدنيا. وعن محمد بن الحسن: هم الذين يأكلون في الطرقات.

وعن الأصمعيّ: هم الذين لا يبالون بما قالوا أو قيل لهم. وعن عبد الله بن المبارك: هم الذين يتسفّلون ويحضرون أبوابا يطلبون الشهادة. وعن ابن الأعرابيّ: هم الذين يأكلون الدنيا بدينهم. فقيل له: ومن سفلة السفلة؟ فقال:

هم الذين يصلحون دنيا غيرهم بفساد دينهم. وسئل عليّ ﵁ فقال:

الذين إذا اجتمعوا غلبوا، وإذا تفرّقوا لم يعرفوا. سأل قتيبة طاوسا عن شيء فلم يجبه فقيل: هو أمير خراسان. فقال: لذلك أهون عليّ. قيل في خسيس: له همّة خامدة وكفّ جامدة.

عبد الله بن عمر ﵄: قال رسول الله ﷺ: «إيّاكم والشحّ فإنّ الشحّ أهلك من قبلكم». مرّ عليّ ﵁ على مزبلة فقال: هذا ما بخل

به الباخلون. وعنه ﵁: البخل جامع لمساوىء القلوب، وهو زمام يقاد به إلى كل سوء. كان عمر بن حفص بن سالم لا يسأله أحد من أهله حاجة إلا قال: لا، فقال له عمرو بن عبيد: أقلل من قول لا، فإنه ليس في الجنة لا. بعض البخلاء لابنه: يا بنيّ اعلم أنّ لفظ لا يدفع البلا، ولفظ نعم يزيل النّعم. قيل لبخيل: من أشجع الناس؟ فقال: من يسمع وقع أضراس الناس على طعامه ولا تنشقّ مرارته. قيل لخمين: أتغدّيت عن فلان؟ قال: لا ولكن مررت ببابه وهو يتغدّى، فقيل: كيف علمت؟ قال: رأيت غلمانه بأيديهم قسيّ البنادق يرمون بها الذباب في الهواء. قيل لرجل: من يحضر مائدة فلان؟ قال:

الملائكة. قيل: ومن يأكل معه؟ قال: الذباب في وقت. الحسن: البخل بالطعام من أخلاق الطغام. الحجاج: البخل على الطعام أقبح من البرص على الجسد. سئل رجل: من يحضر مائدة فلان؟ قال: أكرم الخلق وألأمهم، يعني الملائكة والذّباب. كان مكتوبا على خوان كسرى: اتق الشحّ فإنه أدنس شعار وأوحش دثار. قيل في وصف البخلاء:

قوم إذا استنبح الأضياف كلبهمقالوا لأمّهم: بولي على النار
للشاعر الأخطل، من قصيدة «ما زال فينا رباط الخيل معلمة»

قيل لجمين: أما يكسوك محمد بن يحيى؟ قال: لو كان له بيت مملوء من الإبر وجاء يعقوب ومعه الأنبياء شفعاء، والملائكة ضمناء، والأولياء شهداء، ليستعير منه إبرة ليخيط بها قميص يوسف الذي قدّ من دبر ما أعاره إيّاها. نزل ابن أحمد الشاعر على عمّار بن مسروق فقيل له: على من نزلت؟ فقال: على أبي الخصيب والخبز من عندي. فقيل: وكيف؟ فقال: لأنّ خبزه مكتوب عليه: لا حافظ إلا الله وهو في ثني الوسادة وهو متكّىء عليها.

رغيف في الحجاب عليه قفلوبوّاب وحرّاس منيعه
رأى في بيته يوما رغيفافقال لضيفه هذا وديعه

كتب بعضهم لمن هرب من الضيف:

يا تارك البيت على الضيفوهاربا منه على الخوف
ضيفك قد جاء بزاد لهفارجع وكن ضيفا على الضيف
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «يا تارك البيت على الضيف»

أبو نواس: قلت لبخيل: لم تأكل وحدك؟ قال: السؤال عمن أكل مع الغير. يقال: إذا سألت اللئيم فغافصه ولا تدعه يتفكّر لأنه كلّما تفكّر ازداد بعدا. قيل: شرّ ما في الكريم أن يمنعك جداه، وخير ما في اللئيم أن يكفّ عنك أذاه. قيل: ثوب الجود خلف، وثواب البخل تلف. كان يقال: الجواد يأكل ماله والبخيل يأكل ماله. دخل هشام بن عبد الملك بستانا له فأكل أصحابه من ثمارها فقالوا: بارك الله لك فيها. فقال: كيف يبارك الله فيها وأنتم تأكلونها؟ قيل في وصف بخيل:

يمحو كتاب الفلس في كفّهمن شدّة القبض على الفلس
يكتب بالحبر على خبزهأعاذك الله من الضرس

أمر عبد الله بن الزبير لأبي الجهم العدويّ بألف درهم فدعا له وشكر، فقال: بلغني أنّ معاوية أمر لك بمائة ألف فسخطتها وشكوته وقد شكرتني، فقال أبو الجهم: بأبي أنت أسأل الله أن يديم لنا بقاءك فإني أخاف إن فقدناك أن يمسخ الناس قردة وخنازير، كان ذلك من معاوية قليلا وهذا منك كثير. فأطرق عبد الله ولم ينطق. الحسن البصري: المؤمن لا يكون ممسكا أعوذ بالله منه. والله تعالى أعلم.

النص من طبعة دار القلم العربي بحلب (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.