من «روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار» لابن الخطيب قاسم (ت ٩٤٠هـ)
الروضة الثالثة والعشرون في المدح والثناء وطيب الذكر والذمّ والهجو والشتم والغيبة
عن النبيّ ﷺ: «إذا رأيتم المدّاحين فاحثوا في وجوههم التراب». قال العتبيّ: هو المدح بالباطل والكذب، وأمّا مدح الرجل بما فيه فلا بأس فيه.
وقد مدح أبو طالب والعباس رسول الله ﷺ وحسان وكعب وغيرهم ولم يبلغنا أنه حثا في وجه مادح ترابا، ومدح رسول الله ﷺ المهاجرين والأنصار، ومدح نفسه فقال: «أنا سيّد ولد آدم». وقال يوسف ﵇: إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ
وقال ابن مسعود: في حثو التراب معنيان: أحدهما التغليظ في الردّ عليه، والثاني أن يقال له: بفيك التراب. مدح رجل هشام بن عبد الملك فقال: يا هذا إنه قد نهي عن مدح الرجل في وجهه. فقال له: ما مدحتك وإنما ذكّرتك نعم الله تعالى عليك لتجدّد له شكرا. فقال هشام: هذا أحسن من مدحك ووصله وأكرمه. قيل في المدح:
من كان فوق محل الشمس موضعهفليس يرفعه شيء ولا يضع
وقيل:
كأنّك في الإعطاء للمال مبغضوفي كلّ حرب للمنيّة عاشق
قال رجل لآخر: أنت بستان الدنيا، فقال: وأنت النهر الذي يشرب منه ذلك
البستان. السّلاميّ:
فيسّرت آمالي بملك هو الورىودار هي الدنيا ويوم هو الدهر
الخطيب العراقيّ رحمة الله عليه:
فلأيّ باب غير بابك أرجعوبأيّ جود غير جودك أطمع
سدّت عليّ مذاهبي ومسالكيإلا إليك فدلّني ما أصنع
وكأنما الأبواب بابك وحدهوكأنما أنت الخليقة أجمع
لمّا ظفر المأمون بعمّه إبراهيم شاور فيه أحمد بن خالد، فقال: يا أمير المؤمنين إن قتلته فلك نظراء، وإن عفوت عنه فمالك نظير.
الباخرزي في المدح:
وليس به عيب سوى أنّ ضيفهيلام بنسيان الأحبّة والوطن
عن النبيّ ﷺ: «من أنعم على عبد نعمة فلم يشكرها فدعا عليه استجيب له». قيل: محبة الذكر الجميل من جبلّة الإنسان وخصائصه.
يهوى الثناء مبرّز ومقصرحبّ الثناء طبيعة الإنسان
قيل: الذي ينفر عن القبيح ويحثّ على الجميل أربعة: العقل، والحياء، والمدح والهجاء، والترغيب والترهيب. قيل: من لم يردعه الذمّ عن سيئة ولم يستدعه المدح إلى حسنة فهو جماد. قيل في المدح:
البحر أنت سماحة وفصاحةالدرّ ينثر من يديك وفيكا
والبدر أنت صباحة وملاحةوالخير مجموع لديك وفيكا
وهب: من مدحك بما ليس فيك، فلا تأمن أن يذمّك بما ليس فيك. زياد ابن أبيه: من مدح رجلا بما ليس فيه، فقد بالغ في هجائه. يقال: من أفرط كمن فرّط.
سئل حكيم عن أحسن شيء في العالم فقال: حسن الذكر. قيل لشبيب بن شيبة: ما بال عبد الله بن أهتم ينتقصك؟ قال: لأنه شقيقي في النسب وجاري في البلد وشريكي في الصناعة. قال رجل لآخر: إني أحبّك، قال: صدقت، قال: بم علمت؟ قال: لأنك لست لي بشريك ولا نسيب ولا جار قريب. قال المتوكّل لأبي العيناء: ما بقي في المجلس أحد إلّا ذمّك غيري. فقال:
إذا رضيت عني كرام عشيرتيفلا زال غضبانا عليّ لئامها
قيل: الكامل من عدّت كلماته، والسعيد من حسبت هفواته. قيل:
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلّهاكفى المرء فخرا أن تعدّ معايبه
المتنبي:
فإذا أتتك مذمّتي من ناقصفهي الشهادة لي بأنّي كامل
أبو تمام:
وإذا أراد الله نشر فضيلةطويت، أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورتما كان يعرف طيب عرف العود
رثى الشريف الرضي أبا إسحاق الصابىء، فعاتبه الناس، فقال: إنما رثيت فضله. قيل:
إنّ العرانين تلقاها محسّدةولا ترى للئام الناس حسّادا
قيل لأبي العيناء: إن ابن حمدون يضحك منك، قال: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ
. قال المتوكّل لأبي العيناء: ما تقول في محمد ابن مكرّم والعباس بن رستم؟ فقال: هما الخمر والميسر وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما
. قيل: ما تقول في مالك بن طوق قال: لو كان في بني إسرائيل ونزلت آية البقرة ما ذبحوا غيره. عمر بن الخطّاب ﵁ قال للحطيئة:
ويلك لا تهج الناس فقال: إذا أموت أنا وعيالي جوعا. بعضهم:
وقالوا في الهجاء عليك إثموليس الإثم إلا في المديح
قيل لسقراط: هل من إنسان لا عيب فيه؟ قال: لو كان إنسان لا عيب فيه لكان لا يموت. يقال في ذمّ الرجل: جرى في الغواية إلى الغاية، وفي مخالفة النّهى إلى النهاية. وقيل في الهجو:
نديمك عطشان وضيفك جائعوكلبك نبّاح وبابك مغلق
شرابك مختوم وخبزك لا يرىولحمك بين الفرقدين معلق
وقيل في جماعة:
مات الكرام ومرّوا وانقضوا ومضواومات في إثرهم تلك الكرامات
وخلّفوني في قوم ذوي سفهلو أبصروا طيف ضيف في الكرى ماتوا
الحسن: ذمّ الرجل نفسه في العلانية مدح له في السرّ. كان أبو الطيب الطاهريّ يهجو بني سامان فقال له نصر بن أحمد يوما: إلى متى تأكل خبزك بلحوم الناس؟ فخجل ولم يعد. سمع أعرابيّ قوله تعالى: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً
فامتعض، ثم سمع وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
فقال: الله أكبر، هجانا الله ثم مدحنا. وكذلك فعل الشاعر حيث يقول:
هجوت زهيرا ثم إني مدحتهوما زالت الأشراف تهجى وتمدح
غيره:
ولا تتخذ هجو الرجال صناعةفربّ قواف طيّرت هام من هجا
ووقف جدي على سطح فمرّ به ذئب فشتمه، فقال له الذئب: أنت لا تشتمني إنما يشتمني المكان الذي أنت فيه. عن النبي ﷺ: «طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس». عليّ ﵁: من نظر في عيوب الناس فأنكرها ثم رضيها لنفسه فذاك الأحمق بعينه. أنس ﵁: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: «أيّها الناس إنّ أموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، إياكم والغيبة فإنّ الله حرّم أكل لحم الإنسان كما
حرّم ماله ودمه». جابر ﵁، رفعه: «إن الرجل يزني فيتوب فيتوب الله عليه، وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه». اغتاب رجل رجلا عند معروف الكرخيّ فقال: اذكر القطن إذا وضع على عينيك. قيل لابن سيرين: مالك لا تقول في الحجاج شيئا؟ فقال: أقول فيه حتى ينجيه الله لتوحيده ويعذّبني باغتيابه؟ وكان قد جعل على نفسه وإذا اغتاب تصدّق بدينار.
فضيل: كان يقول: ما لعنت إبليس قطّ. عبد الله بن المبارك: قلت لسفيان:
ما أبعد أبا حنيفة عن الغيبة ما سمعته يغتاب عدوّا قطّ. أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇ أن المغتاب إذا تاب فهو آخر من يدخل الجنة وإن أصرّ فهو أوّل من يدخل النار. يقال: سامع الغيبة أحد المغتابين. فضيل: الغيبة فاكهة القرّاء. محمد بن حرب: أوّل من عمل الصابون سليمان ﵇، وأوّل من عمل القراطيس يوسف ﵇، وأوّل من عمل السويق ذو القرنين، وأوّل من عمل الجرادق نمرود، وأوّل من كتب القراطيس الحجاج، وأوّل من بنى المدائن في الإسلام الحجاج، وأوّل من اغتاب إبليس اغتاب آدم ﵇.
قيل لرجل من العرب: من السيد فيكم؟ قال: الذي إذا أقبل هبناه وإذا أدبر اغتبناه. يحيى بن خالد: وصف الفضل بن سهل عند الرشيد فلما جاءه تحيّر وأرتج عليه، فنظر الرشيد إلى يحيى نظرة منكر فلما ذهب قال: يا أمير المؤمنين من أبين الدلالة على فراهة العبد شدّة إفراط هيبته لسيده، فقال الرشيد:
أحسنت والله، فقرّب الفضل إليه. ابن خالويه:
إذا لم يكن صدر المجالس سيدافلا خير فيمن صدّرته المجالس
وكم قائل مالي رأيتك راجلافقلت له من أجل أنك فارس
النص من طبعة دار القلم العربي بحلب (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع