تجاوز إلى المحتوى

من «المحاضرات في اللغة والأدب» لليوسي (ت ١١٠٢هـ)

انتقاد أحد القضاة للمؤلف والرد عليه

خطر لي الآن كلام فأردت أن أنبه عليه " و " على طرف منه فإن شرحه يطيل وذلك أنا بعد وفاة الأستاذ المحقق السني أبي عبد الله بن ناصر ﵁ لم نزل نسعى في نفع الناس بتعليم ما يحتاجون من دينهم وما يحتاجون من أوراد النوافل والأذكار التي يتزودون بها لمعادهم ويتحببون بها ويتقربون إلى ربهم عاملين في ذلك على وجه المؤاخاة والمعاونة على البر والنصيحة، على وجه المشيخة، وعلى وجه التعليم والإرشاد لا على وجه التربية، ثم أنه جرى من ذلك ما عادته أن يجري من كلام منكر أو متنصح، فأخبرني بعض أصحابي أنه جرى كلام بينه وبين " بعض " القضاة المتصدرين للدرس فتكلم له القاضي في شأني وقال له على وجه النصيحة فيما زعم: ما ألجأ فلاناً إلى تلقين الأوراد؟ فهل رأيتم مريداً بشروط الإرادة قط؟ فلما حدثني بذلك قلت له: هلا قلت له: أما أنا لم نرَ مريداً كذلك " فهو كذلك " وكيف نراه إلاّ أن يتداركنا الله برحمته؟ وقد كان الشيخ أبو العباس زروق يحكي عن شيخه أبي العباس أحمد ابن عقبة الخضرمي ﵄ أنه كان يقول " لهم ": لو فتشتم من أقصى مشارق الأرض إلى أقصى مغاربها على مريد صادق في أحواله لم تجدوه فكيف بالعارف الكامل؟ ومع ذلك فانتقاص الزمان وانتقاص أهله لا يوجب انقطاع الدين ولا ارتفاع النصيحة، فإن هذا النقص سارٍ في الدين وفي العقول وفي الأقوات وفي الإمامة الكبرى والصغرى وفي النصيحة وغير ذلك، وهو قضاء جار أخبر به الصادق المصدوق ﷺ قبل كونه في الأحاديث الكثيرة، وإليه يشير القائل:

هذا الزمان الذي كنا نحاذرهفي قول كعب وفي قول ابن مسعود
إن دام هذا ولم يحدث له غيرلم يبك ميت ولم يفرح بمولود

هذا ويا ليته دام، فإنه لا يزيد الأمر إلاّ شدة والخير إلاّ إدباراً حتى ينقرض انقراضاً غير أن المعتبر في كل زمان ما هو فيه، وحكم الله تعالى جار في كل بحسب حاله، والدين مستمر، والحق ظاهر حتى يأتي أمر الله.

ثم يلزمك أيها الناصح في هذا مثل ما يلزمنا، وما كان جوابك هو جوابنا، فإنك تصدرت للتعليم فهل رأيت بعينيك متعلماً على شروط التعليم المعتبرة؟ أو هل رأيت في نفسك شروط المعلم؟ " فلا بد أن تعرض على نفسك شروط المعلم " وعلى من يجلس إليك شروط المتعلم، فإن تجد ذلك صحيحاً ظاهراً أو باطناً فتصدر، وإن وجدته مختلاً فكيف يحل لك أن تتصدر، وارتفاع الشرط يوجب ارتفاع المشروط، وقد قال ﷺ: " لا تُؤْتُوا الحِكْمَةَ غَيْرَ أهْلِهَا فَتَظْلمُوها " فإن أجاب بأنه ارتكب أخف الضررين أو أن العلم أمنع جانباً من أن يصل إلى غير أهله أو نحو ذلك فهو جوابنا بعينه، والله الموفق المسئول أن يتجاوز عنّا بعفوه ويتغمدنا برحمته إنه ولي ذلك والقادر عليه.

لله الأمر من قبل ومن بعد

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاضرات في اللغة والأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.