من «المحاضرات في اللغة والأدب» لليوسي (ت ١١٠٢هـ)
والإشارات تأويلها حسب المقامات
وقد قال أبو نواس في ممدوحه:
تغطيت عن دهري بظل جناحهفعيني ترى دهري وليس يراني
فلو تسأل الأيام عني ما درتوأين مكاني ما عرفن مكاني
فكان هذا مشرباً عندهم في حق أهل كهف الإيواء من الأصفياء الأخفياء ﵃، وهو واضح.
وقال أيضاً في الخمريات:
إذا العشرون من شعبان ولّتفواصل شرب ليلك بالنهار
ولا تشرب بأقداح صغارفقد ضاق الزمان على الصغار
فصار عندهم موعظة في الإكثار من العمل الصالح والتشمير للتزود للمعاد، ولا سيما عند إيناس قرب الأجل، وخشية فوات الأمل. وقال أيضاً:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراءوداوني بالتي كانت هي الداء
فصارت مشرباً للمحبين أهل الشوق والذوق، ﵃.
وفي مناقب الشيخ أبي الحسن الشاذلي ﵁، أنه في مسيره إلى المشرق، وكان في محفّته، فكان فتيان ذات يوم يمشيان تحته في ظلها ثم جعلا يتحدثان، فقال أحدهما " للآخر ": يا فلان مالي أرى فلاناً يسيء إليك وأنت تتحمل منه؟ فقال له: والله ما كان ذلك مني إلاّ لأنه من بلدي فكنت كما قال القائل:
رأى المجنون في البيداء كلباًفجلله من الإحسان ذيلا
فلاموه على ما كان منهوقالوا: لِمْ أنلت الكلب نيلا
فقال: دعوا الملام فإن عينيرأته مرة في حي ليلى
فسمعه الشيخ فتواجد وجعل يقول: فقال: دعوا الملام..... البيت.
ويكرره ثم خلع غفارته ورمى بها إلى الفتى المنشد فقال له: أنت أولى بها يا بني.
وفي " لطائف المنن ": أنشد إنسان بحضرة الشيخ مكين الدين الأسمر ﵁ قول القائل:
لو كان لي بالراح يسعدنيلما انتظرت لشرب الراح إفطارا
الراح شيء شريف أنت شاربهفاشرب ولو حملتك الراح أوزارا
فأنكر بعض الحاضرين على المنشد وقال له: لا يجوز إنشاد مثل هذا الشعر فقال الشيخ للمنشد: أنشد فإن هذا - " يعني " المنكر - رجل محجوب.
وفي أبيات عبد الصمد بن المعَذَّل المشهورة حيث يقول:
يا بديع الدل والغنجلك سلطان على المهج
إن بيتاً أنت ساكنهغير محتاج إلى السرج
وجهك المأمول حجتنايوم يأتي الناس بالحجج
مشرب عظيم لهم أيضاً.
وقد سمع صوفي هذا البيت من جارية فتواجد وصاح ولم يزل كذلك حتى مات.
" ومن أجلِّ ما يذكر في هذا الباب وأعذبه ما ذكره الشطيبي في " أذكاره " قال: دخل رسول الله ﷺ على أهل الصفة ﵃ ومعه ابن عباس فوجدهم يناشدون الشعر فيما بينهم، فلما رأوه أمسكوا إجلالاً له ﷺ، فلما استقر جالساً قال ﷺ: هل فيكم من ينشدنا شيئاً من الشعر؟ قالوا: نعم يا رسول الله صلى الله عليك، ثم أنشأ بعضهم:
في كل صبح وكل إشراقتبكي جفوني بدمع مشتاق
قد لسعت حية الهوى كبديفلا طبيب لها ولا راق
إلاّ الحبيب الذي شغفت بهفعنده رؤيتي ودرياقي
فتواجد ﷺ حتى سقط رداؤه عن جسده فأعطاه أهل الصفة وكانوا أربعين رجلاً فقطعه عليهم أربعين قطعة ﷺ ".
وهذا النوع لا يحصى، وفيه يطيب لهم السماع، ويقع الوجد عند الاستماع، وإنما أردت أن ننبه فيه حيث انجذب الحديث إليه على معنى إيقاظاً وإمتاعاً.
فاعلم أن فهم المعنى عند سماع لفظ القائل يكون على وجهتين: أحدهما أن يكون لدلالة اللفظ المسموع عليه في الخارج إما حقيقة وإما مجازاً، إما لغة وإما عرفاً.
ثانيهما أن يكون كذلك في وهم السامع ولا حاصل له في الخارج، فتحصل الفائدة بحسب ما طرق وهمه.
أما الوجه الثاني وهو بحسب الخارج في حكم السماع من غير اللفظ كصرير الباب وصوت الطائر، مثاله ما ذكر التاج ابن عطاء الله أن ثلاثة نفر سمعوا " صائحاً " يقول: " يا سعتر بري " فسبق إلى فهم واحد منهم أن الصائح يقول " اسْعَ تر بِرّي وفهم الآخر أنه يقول: " السّاعَةَ تَرى بِرّي " وفهم الآخر أنه يقول: " يا سَعَة بِرّي "، وكان سماع الثلاثة جميعاً من الحق تعالى إلاّ أن كل واحد منهم فهم على حسب حاله.
أما الأول فكان سالكاً مبتدئاً، فورد عليه الأمر بالسعي والجد مع ما يفيد تنشيطه من الترجية برؤية البر بكسر الباء، وهو الإحسان والتفضل من الله تعالى.
وأما الثاني فكان سالكاً تطاول به السير، فورد عليه التنفيس والتبشير برؤية البر الساعة.
وأما الثالث فكان واصلاً " قد " شاهد الفضل فورد عليه الخطاب على وفق شهوده بأن بر الله تعالى ما أوسعه! فهذه فهوم اختلفت وفصلت من إلقاء الله تعالى عليها ما فهمت بسبب مجرد مناسبة ما في اللفظ المسموع وأن لم يكن طبقاً لها لا إفراد ولا تركيباً ولا حقيقة ولا مجازاً، فإن القائل إنما أراد السعتر المعروف البري بفتح الباء، أي غير البستاني، فسبحان اللطيف الخبير.
وأما الوجه الأول فهو الكثير المشهور، وذلك أن يسمع لفظ مشترك أريد به معنى فيفهم معنى آخر من معانيه، أو حقيقة أريد به معناه فيفهم مجازه، وقد يتعدد الفهم بحسب الاحتمال الواقع في التركيب وفي الضمائر ونحو ذلك.
ولا بد أن نورد من ذلك أمثلة يتضح بها ما قررنا ليكون مأخذاً في هذا الباب، ومصباحاً يستضيء به ذوو الألباب.
فمن ذلك ما وردت عليه فهوم الناس قبلنا كما مرّ من الأبيات، فنشير إلى مأخذ الفهم منه، ومن ذلك ما يسنح للخاطر الآن، فأما أبيات أبي نواس فهي كلها واضحة في إشاراتها، وكذلك أبيات الفتى، فإن ليلى عبارة عن المحبوب " عند " السامع إما خالقاً وإما مخلوقاً واحداً أو جماعة كأهل الله وطائفة المحبين والمنتسبين، أو المصطفى ﷺ، أو سنته، أو نحو ذلك مما يخطر في البال، وأما أبيات مكين الدين فالراح فيها عند السامع هنا هي الخمرة الربانية القلبية، وهي لطف من الله تعالى ونور يرد على القلب فاستعاروا له اسم الخمر للشبه الواقع في اللذة والانفعال، وهو الصهباء " أيضاً " وبعد البيتين:
يا من يلوم على صهباء صافيةخذ الجنان ودعني أسكن النارا
أي خذ جنان الشهوة وراحة النفس ودعني أسكن نار الشوق، فافهم، والأوزار يفهم منها أعباء المحبة والشوق وما يتحمله أصحاب ذلك.
وقد وقع لي ذكر لهذا المعنى في أبيات من قصيدة طويلة وهي:
فلولا هوى نجد وطيب نسيمهاوريح خزاماها إذا ساوق الفجرا
وعذب فرات سلسبيل سخت بهأكف العوادي في حدائقها غمْرا
مشمولة صهباء ما قطّ شابَهابِراوُوقه الحاني ولا حلت القِدْرا
بها هامت الأرواح من قبل خلقناومن بعد ما كنّا وإذا نبلغ الحشرا
فكم ولهتْ فكر ابن عيسى ومالكوكم أطربت سهلاً وكم شغلت بشرا
إذا ما تحساها الفتى لم يخف بهاجُناحاً ولكن يرتجي عندها برا
تحمِّلُه الأوزارَ غيرّ مذمّمبأعبائها العظمى ولم يحمِلِ الوِزْرا
وتبرد غلاّت الحشا وتشبُّهاأُواراً وتعطي الرشد والسفه الحجرا
وتورثه قبضاً وبسطاً وفرقةوجمعاً ونسياناً وتورثُه ذكرا
فلولا رجاء الفوز منا بشربةتداوي عقابيل الهوى والجَوى المُغْرى
لكانت أكف البين تصدع بالجوىزجاجة أحشائي فلا أملك الجبرا
فكل ما في هذه الأبيات من ذكر الصهباء وكذا نجد وريح الخزامي والعذب والفرات كل ذلك استعارات، وجرى الشعر على أسلوب العرب في الحنين إلى نجد ومنابته، وهو ما ارتفع من بلادهم، وكل أحد نجده ما توجه إليه، وإن لا يرتفع حساً فهو مرتفع معنى فافهم.
وأما أبيات ابن المعذل فالبيت فيها عند السامع هو القلب، والساكن فيه هو الحق تعالى شهوداً وحضوراً.
وفي الحديث القدسي: " لَمْ يَسَعْني أرْضي وَلا سَمَائي، وَوَسِعَني قَلْبُ عَبْدِي المُؤْمِنِ ". والوجه وجهه، والضمائر تعود اليه، وهاهنا مزلقة تقشعر منها الرؤوس، وتشمئز النفوس.
حكى الإمام الرازي ﵀ في كتاب " الإشارات في التعبير "، قال: أخبرنا أحمد بن عمرو الصوفي بمكة - حرسها الله - قال: أخبرني أبو بكر الطوسي، قال: قال عثمان الأحول تلميذ الخراز ﵁: بات عندي أبو سعيد، فلما مضى بعض الليل صاح بي: يا عثمان، قم أسرج، فقمت وأسرجت، فقال لي: ويحك رأيت الساعة كأني في الآخرة والقيامة قد قامت، فنوديت فوقفت بين يدي الله تعالى وأنا أرتعد، لم يبق علي شعرة إلاّ وقد قامت، فقل " جل وعلا ": أنت الذي تشير إليّ في السماع وإلى سلمى وبثينة، لولا أني أعلم أنك صادق في ذلك لعذبتك عذاباً لم أعذب به أحد من العالمين، انتهى. فنعوذ بالله من جسارة، تؤدي إلى خسارة. وقد وقع في هذا الخطر ابن الفارض، وابن سبعين والششتري وأضرابهم، وهو باب ضنْك، وللعبد في مطرح النعال، سعة عن جناب الكبير المتعال.
وقد يكون السامع في فهمه أخف حالاً من المعبر، فإن الفهم أقرب إلى الغلبة، والتعبير أقرب إلى الاختبار، ومثال ما سنح في فكري مما حضر لي الآن قول امرئ القيس:
" الله أنجح ما طلبت بهوالبِرّ خير حقيبة الرجل
شرحه وقوله ":
أنا موضعين لحتم غيبونسحر بالطعام والشراب
فإن هذه القطعة موعظة عظيمة في ذكر الآخرة والزهد في الدنيا وإن لم يقصد نفس ذلك المعنى، ويزيد العاقل فيقول: هذا رجل دهري " كان " لا يؤمن بيوم الحساب، قد مقت الدنيا لمجرد ما رأى من الانتقال عنها إلى الفناء، فكيف لا يمقتها من يؤمن بالجنة وأن الدنيا لا تساوي شيئاً إذا قيست إليها ولا تزن عند الله جناح بعوضه، وان الاشتغال بها " يعوق " عن الملك العظيم، والنعيم المقيم، ويعرض للحساب الشديد والعذاب الأليم، وقوله:
فلو أن ما أسعى لأدنى معيشةكفاني ولم أطلب قليل من المال
ولكنما أسعى لمجد مؤثلوقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
فإن العابد يفهم منه أنه لو كان يسعى لمعيشة الدنيا الحسيسة الفانية لكفاهُ أدنى شيء، ولكنه يسعى للملك العظيم، في دار النعيم، وهو المجد حقاً، فليس إلاّ الجدّ والاجتهاد، ومسامرة النوافل والأوراد، والعارف يفهم منه أنه لو كان يسعى لمجرد التنعم في الجنة لكفاه إقامة الرسم الشرعي، والوقوف عند الحد المرعي، ولكنه يسعى للوصول والنظرة، والحضور والحضرة، فليس إلاَّ زيادة الاعتناء بصفاء الأسرار، والفناء عن الأغيار، وقوله:
تنورتها من أذرِعاتٍ وأهلُهابيثربَ أدنى دارِها نظر عال
فإن المريد قد يفهم منه " أن " الضمير للحقيقة، وأهلها بيثرب وهم محمد وأصحابه ﷺ وعلى الصحابة أجمعين. وكون نيل ذلك من أذرعات وهو موضع بالشام " مناسب، لأن الشام " مكان مرتفع باعتبار الغور، وليس يبلغ السالك ذلك إلاّ بعد بلوغ المنزلة الرفيعة " من الاستقامة والطهارة ومن الهمة " الرفيعة فإن العبد يفتح له على قدر همته وبنظره العالي يقرب الفتح بإذن الله تعالى، بل النظر العالي وهو ما يكون إلى الحق دون شيء دونه هو كلية الأمر وعماده، رزقنا الله منه قسطاً وافراً بمنه آمين.
وقول عنترة:
وأغضّ طرفي ما بدت لي جارتيحتى يواري جارتي مأواها
إني امرؤ سمح الخليقة ماجدلا أتبع النفس اللّجوج هواها
فإن هذا في باب العفة والتحلي بمكارم الأخلاق في الجملة صريح، وباعتبار الرياضة والمطلوب من التحلية والتخلية عند السالكين إشارة، وهي كافية في المقصود، لأن مخالفة الهوى هو ملاك الأمر كله، ومثل هذا لا ينحصر في شعر العرب " فقلما يخلو بيت أو أبيات من معنى أو معان فإن الحكمة قد أنزلت على ألسنة العرب ".
وقد قال الله تعالى في الشعراء:) أنّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ (ومثل ذلك في كلام المولدين، وقد تقدم من شعر أبي نواس، وفال أبو الطيب:
لك يا منازل في القلوب منازلأقفرت أنت وهنّ منكِ أواهلُ
فإنه يفهم منه سوى مقصود الشاعر أمور:
منها أن المنازل من مظاهر الكائنات كلها، والقلوب قلوب أرباب الاعتبار والاستبصار يقول إن لهذه الحوادث في قلوبهم منزلة من الحدوث والافتقار إلى الفاعل المختار يتعرفون بها وجود الله تعالى وما له من الصفات " الجلية " والأسماء العلية فهي مقفرة دائرة فانية، والقلوب عامرة منها بالتوحيد، أو منزلة من التقلب في مظاهر التصريف يتعرفون منها ما لله تعالى من الجلال والجمال والعظمة والكبرياء والقهر والبطش والفضل والرحمة والحلم، وبالجملة فالكائنات مرتع لأرباب الاستدلال وأرباب الكمال و) قَدْ عَلِمَ كُل أنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ (، أو القلوب قلوب أهل الغفلة وحب الدنيا، فيقول إن لهذه الحوادث منزلة في قلوبهم محبة لها وتعظيماً، وقد أقفرت هي فلا تنفع ولا حاصل لها ولا بقاء، وقلوبهم عامرة بها مفتونة بالنظر " إليها " والكدح عليها ويكون الكلام تقبيحا للدنيا ونعياً على محبيها.
ومنها أن المنازل منازل السّائرين في السلوك أو المقامات الواصلين، والقلوب قلوب المتوجهين فيقول: إن لهذه المنازل أو المقامات في قلوبهم مكاناً من المحبة لها والاغتباط وحب الاقتداء بأهلها فيها، وقد أقفرت هي بذهاب أهلها، بانتقاص الزمان، فإن الإمام الجنيد كان يقول في زمانه الفاضل: إن هذا العلم قد طوي بساطه منذ زمان، وإنما يتكلم الناس في حواشيه، أو كلاماً بمعناه، فما بالك بزمان كل من يسمع هذا الشعر إلى يوم القيامة، أو القلوب عامرة بالمحبة والاشتياق من سماع أخبارها ومطالعها في الدفاتر، أو عامرة بالمعارف والأسرار من مطالعتها وسماعها، فإنه عند ذكر الصالحين تتنزل الرحمة في القلوب، أو من الاقتداء بما فيها والنسج على منوالها، وهو ظاهر، وقد يفهم من المنازل مواضعهم التي كانوا يتعبدون فيها من المساجد والرباطات " والخلوات " والبراري التي دفنوا فيها والتقرير على حسب ما قبله، وكنت أشرت إلى شيء من هذا الغرض في أبيات من قصيدة طويلة، وهي:
يا قمريّ البان نح حزناً على زمنمضى بقوم من الأبرار أمجاد
وسل بنعمان عنهم بعد خيف مِنىًوبالمحصَّب يوم الهيد والهاد
واهتف بلبنان بعد القدس مصطرخاًوباللّكام نداء الهائم الصادي
ولا تدع غائراً من كلّ أوديةولا تدع شامخاً من كلّ أطواد
فتلك أوطان أحبابي وإن نزحواعن مقلي فهم بالقلب شُهّادي
فإن ظفرت بمن يهديك نحوهمفقد ظفرت بكنز غير نفاذ
وإن شممْت شذا أخبارهم عَبِقاًأبهى من النور في بطحاء مقلاد
فتلك غُنْيَةُ نفس عاقها قدرأن تدرك المُنية العظمى بتشهاد
وقد اتفقت لبيت أبي الطيب المذكور حكاية لطيفة تذكر في " باب " الأذكياء، وهي أن أبا العلاء المعري كان يعتني بشعر المتنبي، ويستجيده، حتى حكي عنه أنه قال: أنا الذي يعني أبو الطيب بقوله:
أنا الذي ينظر الأعمى إلى أدبي
ثم إنه حضر يوماً مجلس الأمير فتكلم الأمير حتى وقع في أبي الطيب وغض منه بعض الغض، فأراد المعري أن ينافح عن أبي الطيب فقال: أيها الأمير يكفيك من أبي الطيب قوله:
لك يا منازل في القلوب منازلأقفرت أنت وهن منك أواهل
ففطن الأمير وقال لأصحابه: أتدرون ما يقول الأعمى؟ إنه يشير إلى قوله في أثناء هذه القصيدة:
وإذا أتتك مذمتي من ناقصفهي الشهادة لي بأني كامل
خذوا برجله، فجر أبو العلاء حتى خرج، فأنظر إلى لطافة هذه الأذهان، وكيف تلطف هذا بالإشارة، وكيف وقع عليها الآخر؟ ونحوها ما وقع للكسائي، وكان وعده الرشيد صلة ثم غفل عنه، فاتفق أن سايره يوماً إلى أن مروا بموضع فقال: يا أمير هذا منزل عاتكة الذي يقول فيه الشاعر:
يا بيت عاتكة التي أتعزلحذر العدا وبه الفؤاد موكل
فتعجب الرشيد من مفاتحة الكسائي له بالكلام، ولم يكن ذلك أدباً مع الملوك، ثم نظر فإذا هو يشير إلى قول الشاعر في أثناء القصيدة:
وأراك تفعل ما تقول وبعضهممذق الحديث يقول ما لا يفعل
ففهم ذلك وأمر له بالصلة.
لله الأمر من قبل ومن بعد.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع