من «المحاضرات في اللغة والأدب» لليوسي (ت ١١٠٢هـ)
نبذة مختارة من مختار الشعر
وهذه نبذة مختارة من شعر العرب، فمن ذلك في الأمثال، وقد تقدمت جملة منها في الكتاب: ففي الحض على الاتفاق والتوكل على الله تعالى قول جميل:
كلوا اليوم من رزق الإله ابشروافإن على الرحمن رزقكم غدا
وفي تكذيب الكهانة وزجر الطير قول لبيد:
لعمرك ما تدري الضوارب بالحصىولا زاجرت الطير ما الله صانع
وفي اليأس من إصلاح الأولاد مع فساد الآباء قول الفرزدق:
ترجّي ربيع أن تجيء صغارهابخير، وقد أعيا ربيعاً كبارها
وفي تلهف المعدم على قصوره عن فعل الخير قول خالد بن علقمة:
وقد يقصر القل الفتى دون همهوقد كان لولا القل طلاع أنجد
وفي الجنوح إلى الجبن قول النهشل بن حَرِّي:
فلو أن لي نفسين كنت مقاتلاًبإحداهما حتى نموت وأسلما
ونحو هذا قول حبيب بن عوف حين قال له المهلب " بن أبي صفرة " أكرر على القوم:
يقول لي الأمير بغير علمتقدم حين جدَّ بهِ المراس
فما لي أن أطلعتك من حياةِوما لي غير هذا الرأس رأس
" وقول أبي دلامة وقد ليم على الفرار:
ألا لا تلمني في الفرار فإننيأخاف على فخّارتي أن تحطما
فلو أنني أبتاع في السوق مثلهاوحقّك ما باليت أن أتقدما
وقال المبرد: حدثني عجل بن أبي دُلَف أن ابن أبي فتن مدح أباه بقوله مورياً:
ما لي وما لك قد كلفتني شططاًحمل السلام وقول الدار عين قف
أمن رجال المنايا خلتني رجلاًأمسي وأصبح مشتاقاً إلى التلف؟
تمشي المنون إلى غيري فأكرههافكيف أسعى إليها بارز الكتف؟
أم قد حسبت سواد الليل شجعنيأو أن قلبي في جنبيّ أبي دُلّف؟
فبلغ الشعر أبا دُلف فبعث إليه بأربعة آلاف دينار، فأخذها وأغلق عليه الدار، ولا عليه فيمن قعد أو طار، فقال المبرد: هذا كالذي دخل على قوم يشربون فسقاه بعضهم من غير الشراب الذي يشربون استحقاراً له فقال:
نبيذان في مجلس واحدلإيثار مثر على مقتر
فلو كنت تفعل فعل الكرامفعلت كفعل أبي البَحتري
تتبع إخوانه في البلادفأغنى المقل عن المكثر
فاتصل قوله بأبي البختري فوصله بألف دينار ولم يره ". وفي الحض على اقتناء العمل الصالح قول الأخطل:
وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجدذخراً يكون كصالح الأعمال
وفي اليأس من تلافي ما فسد قول رجل من عمان:
والثوب إن أنهج فيه البلىأعيا على ذي الحيلة الراقع
وفي مجاملة العدو وإعداده لأعدى منه قول مرداس الأسدي:
وذوي ضباب مظهرين عداوةوغر بصدور معاودي الإفناد
ناسيتهم بغضاءهم ووفرتهموهم إذا حسب الصديق أعاد
كيما أعدهم لأبعد منهمولقد يجاء إلى ذوي الأحقاد
وفي حفظ المال وتثميره قول الملتمس:
قليل المال تصلحه فيبقىولا يبقى الكثير مع الفساد
وحفظ المال أيسر من بغاهوسير في البلاد بغير زاد
وفي تبليغ العدو قول عروة بن الورد:
ومن يك مثلي ذا عيال ومقترامن المال يطرح نفسه كل مطرح
ليبلغ عذراً أو يصيب رغيبةومبلغ نفس عذرها مثل منجح
وفي معنى قولهم: القريب من تقرب - أي بورده - " لا " من تنسب قول الأعشى:
لا تطلبن الود من متباعدولا تنأ من ذي بغضة إن تقربا
فإن القريب من يقرب نفسهلعمر أبيك الخير لا من تنسيا
وفي الحض على الصبر في المواطن قول عمرو بن الإطنابة:
أبت لي همتي وأبى بلائيوأخذ الحمد بالثمن الربيح
وإقدامي على المكروه نفسيوضربي هامة البطل المشيح
وقولي كلما جشأت وجاشتمكانك تحمدي أو تستريحي
لأدفع عن مآثر صالحاتوأحمي بعد عن عرض صحيح
وقد حكي عن معاوية ﵁ أنه قال: دعوت بفرسي يوم صفين لأتصرف لاشتداد الأمر فما نفعني إلاّ أبيات عمرو المذكورة ذكرتها فصبرت.
ونحوها " قول " قطري بن الفجاءة:
أقول لها وقد طارت شَعاعاًمن الأبطال: ويحك لن تراعي
فصبراً في مجال الموت صبراًفما نيل الخلود بمستطاع
سبيل الموت غاية كالترجّيوداعيه لأهل الأرض داع
وما للمرء خير في حياةإذا ما عد من سقط المتاع
وفيمن يسعى لما فيه هلاكه ولا يعلم قول الآخر:
وكم من طالب يسعى لأمروفيه هلاكه لو كان يدري
ومثله قول الآخر:
وكم طالب أمراً وفيه حمامهوسائرة تسعى إلى ما يضيرها
ومثله قول الآخر:
كم شارب عسلاً فيه منيّتُهوكم تقلد سيفاً من به ذُبحا
ومثله قول أبي العتاهية:
وقد يهلك الإنسان من باب أمنهوينجو بإذن الله من حيث يحذر
ومن المعنى قول عدي بن أبي الصلت:
تجري الأمور على حكم القضاء، وفيطي الحوادث محبوب ومكروه
فربما سرّني ما بت أحذرهوربما ساءني ما بت أرجوه "
وفي التشكّي من فناء الأهل والأحبة قول ابن هرّمة:
ما أظن الزمان يا أم عمروتاركاً إن هلكت من يبكيني
ويقال: إنه حين مات لم ير أحد خلف جنازته، وإنما رفعها عبيد له.
وفي احتقار " السفيه " واللئيم وما يصدر منه قول الآخر:
وما كل كلب نابح يستفزنيولا كلما طن الذباب أراع
ونحوه في التنبيه على كثرتهم وأنه لا ينبغي الاحتفال بهم قول الآخر:
لو كل كلب عوى ألقت حجراًلأصبح الصخر مثقالاً بدينار
وقول الآخر:
أو كلما طن الذباب زجرتهإن الذباب إذن عليَّ كريم
آخر:
اذهب فأنت طليق عرضك إنهعرض عززت به وأنت ذليل
آخر:
نجا بك عرضك منجى الذبابحمته مقاذيره أنْ ينالا
وفي فعل الحاسدين من نشر المساوي ودفن المحاسن " قول " الآخر:
إن يسمعوا الخير يخفوه وإن سمعواسراً أذيع وإن لم يسمعوا كذبوا
ونحوه قول الآخر:
صم إذا سمعوا خيراً ذكرت بهوإن ذكرت بسوء عندهم أذِنوا
وفي بيع ما يضمن به عند الحاجة قول الآخر:
وقد تخرج الحاجات يا أم مالككرائم من رب بهن ضنين
" وقال أبو علي الحداد:
قالت: وأبدت صفحةكالشمس من تحت القناع
بعت الدفاتر، وهي آخر ما يباع من المتاع
لا تعجبي ممّا رأيت فنحن في زمن الضياع
ونحو ذلك قول ابن الحاجب لما ورد مصر:
يا أهل مصر وجدت أيديكمعن بسطها للنوال منقبضه
لما عدمت الغذا بأرضكمأكلت كتبي كأنني أرضه
وصرت لما حللت واديكمكجملة في الكلام معترضه "
وفي قساوة القلب قول مهلهل بن ربيعة:
يبكي عليتا ولا نبكي على أحدلنحن أغلظ أكباداً من
وفي اتباع ما تيسر، وترك ما تعسر، قول الأعشى:
إذا حاجة ولتك لا تستطيعهافخذ طرفاً من غيرها حين تسبق
ونحوه قول عمرو بن معد يكرب:
إذا لم تستطع شيئاً فدعهوجاوزه إلى ما تستطيع
وقد سبق إليه امرؤ القيس في قوله:
وخير ما رمت ما ينال
وفي التحذير من فعل السوء مخافة قول عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينافنجهل فوق جهل الجاهلينا
أي فنعاقبه، فسمى المجازاة على الجهل جهلاً كقوله تعالى:) الله يستهزئ بهم (.
وفي التشكي من قلة الإخوان الصادقين قول امرؤ القيس:
إذا قلت: هذا صاحب قد رضيتهوقرت به العينان بدلت آخرا
كذلك جدّي ما أُصاحب صاحباًمن الناس إلاّ خانني وتغيّرا
وأخذ الشعراء هذا المعنى كثيراً كقول الأندلسي:
وزهدني في الناس معرفتي بهموطول اختباري صاحباً بعد صاحب
فلم ترني الأيام خلاً تسرنيمباديه إلاّ ساءني في العواقب
ولا قلت: أرجوه لدفع ملمّةمن الدهر إلاّ كان إحدى المصائب
وذكر عن ابن العباس النيسابوري أنه قال: لو صحت صلاة بغير قراءة القرآن لصحت بهذا البيت:
أتمنى على الزمان محالاًأن ترى مقلتاي وجنة حر
ويحكى أن علوية غنى بين يدي المأمون بن الرشيد ﵏:
وإني مشتاق إلى ظل صاحبيروق ويصفو إن كدرت عليه
يوافقني في كلّ أمر أرومهويغفر ذنبي إن أسأت إليه
فقال المأمون: أعطوني هذا الصاحب وخذوا نصف الخلافة، والشعر لأبي العتاهية.
ولابن حمديس من قصيدة:
فلا ترج من دنياك خيراً وإن يكنفما هو إلاّ مثل ظلّ سحاب
وما الحزم كل الحزم إلاّ اجتنابهاوأشقى الورى من تصطفي وتحابي
ولغيره:
وإخوان وثقت بهم فأضحىأذاهم يعتريني كل حين
فلما أن أسأت الظنّ كفوافيا عجباه من ظن يقيني
طرفة:
كل خليل كنت خاللتهلا ترك الله له واضحه
كلهم أروغ من ثعلبما أشبه الليلة بالبارحة!
غيره:
وكنت أخي بإخاء الزمانفلما انقضى صرت حرْباً عوانا
وكنت أُعدّك للنائباتفهم أن أطلب منك الأمانا
غيره:
فلا تغترّ من خلّ ببشرولا يتودد عند التلاقي
فكم نَبْت نضير راق حسناًعياناً وهو مُرٌّ في المذاق
غيره:
كان ما كان وانقضى ومضىوقد طويت بساطاً كنت ناشره
لما رأيتك لا تبقي على أحدفكيف أحسد بعدي من تعاشره
وقال سعيد بن حميد من أبيات:
وما أنت إلاّ كالزمان تلونتنوائب من أحداثه وأمور
فإن قل إنصاف الزمان وعدلُهفمن ذا على جور الزمان يُجير؟
وقال جحظة:
ضاقت عليّ وجوه الرأي في نفريلقون بالجحد والكفران إحساني
قلّب الطرف تصعيداً ومنْحَدَراًفما أقابل إنساني بإنسان
وقال:
وإذا جفاني صاحبلم أستجر ما دمت قطْعَهْ
وتركته مثل القبر أزورها في كل جمعة "
وفي التفجع على الشباب قول حميد بن ثور الهلالي:
ليالي أبصار الغواني وسمعهاإلي وإذْ ريحي لهنّ جنوب
وإذا شعري ضافٍ ولوني مُذهَبوإذا ليَ في ألبابهنّ نصيب
فلا يبعد الله الشباب وقولناإذا ما صبونا صَبْوةً سنتوب
وقال أبو الفضل المكيالي بل ابن الرومي:
يمضي الشباب ويبقى من لبانتهشجو على النفس لا ينفك يشجيها
ما كان لي دون إعجاب النساء بهوالنفس أوجب إعجاباً لما فيها
وقال قتادة في قوله تعالى) وَجَاءكُمْ النَّذيِرُ (يعني الشيب.
وقال المهلبي:
صبغت الرأس ختلاً للغوانيكما غطى على الرِّب المريب
أعلل مرة وأساء أخرىولا تحصى من الكبر العيوب
أُسوف توبتي خمسين حولاًوظني أن مثلي لا يتوب
يقَوَّمُ بالثِّقافِ العود لدْناًولا يتقَّومُ العودُ الصليب
وكان مالك بن دينار يقول: ما أشد فطام الكبير، وقال آخر:
دعي لومي ومعتبي أمامافإني لم أعود أن ألاما
وكيف ملامتي إذْ شاب رأسيعلى خلق نشأت به غلاما
وقال محمود للوراق في الخضاض:
يا خاضب الشيب الذيفي كل ثالثة يعود
وله بديهةُ لوعةٍمكروها أبداً عتيد
فدع المشيب كما أراد فلن يعود كما تريد
وقال أيضاً في ذلك:
يا خاضب الشيبة نح فقدهافإنما تدرجها في كفن
أما تراها منذ عاينتهاتزيد في الرأس بنقص البدن
وحكى أن أبا الأسود الدؤلي دخل على عبيد الله بن زياد فقال له عبيد الله يهزأ به: يا أبا الأسود، إنك لجميل، فلو تعقلت تميمة؟؟ فقال أبو الأسود:
أفنى الشباب الذي أفنيت جدتهكَر الجديدين من آت ومنطلق
لم يتركا لي في طول اختلافهماشيئا أخاف عليه لذْعة الحدق "
ونحوه قول محمد بن حازم:
لا تكذبن فما الدنيا بأجمعهامن الشباب بيوم واحد بدل
وقول منصور النمري:
ما كنت أوفى شبابي حق عزتهحتى مضى فإذا الدنيا لهُ تبع
" وقال ابن الخطيب:
لما علاني الشيب قال صواحبيلا تبتغي خلاًّ بثوب أشهب
فصبغته خوف الصدود فقلن لي:هذا رواية أصبغ عن أشهب
وقال غيره:
نظرت إليّ بطرف من لم يعدللما تمكن طرفها من مقتلي
لما رأت شيباً ألمَّ بمفرقيصدت صدود بجانب متحمِّل
فجعلت أطلب وصلها بتملقوالشيب يغمزُها بأن لا تفعلي
وقال غيره:
أناخ الشيب ضيفاً لم أُرِدُهولكن لا أطيق له مَرَدّا
رداء للرّدى فيهِ الدليلتردى من به يوماً تردى
وقال غيره:
حلّ المشيب بعارضي ومفارقيبئس القرين أراهُ غير مفارقي
رحل الشباب فقلت: قف لي ساعةحتى أودع قال: إنك لاحقي
ويحكى أن أبا دلف دخل على المأمون وعنده جارية فغمزها عليه فقالت له: شِبْتُ يا أبا دُلف، فأعرض عنها، فقال له المأمون: ألا تجيبها؟ فأطرق ساعة ثم رفع رأسه وقال:
تهزأت إذا رأت شيبي فقلت لها:لا تهزئي من يطلْ عمرٌ به يشب
شيب الرجال لهم زين ومكرمةوشيبكنّ لكُنّ العارُ فاكتئبي
فينا لكُنّ وإن شَيْبٌ بدا أرَبٌوليس فيكن بعد الشيب من أرب
غيره:
لا تخطون إلى خِطءٍ ولا خطَأمن بعد ما الشيب في فوديك قد وخطأ
فأي عذر لمن شابت مفارقُهإذا جرى في ميادين الهوى وخطا
وقيل: ظهور الشيب في الناصية كرم، وفي القفا لؤم، وفي الهامة وقار، وفي الفودين شرف، وفي الصدغين شح، وفي الشاربين فحش ".
وهذا الباب لا يأتي عليه الحصر، فلنقتصر على هذا القدر.
واعلم أنه لا يزال علماء الأدب من لدن أدبرت العرب يختلفون في مقالة العرب بحسب اختيار الأجود منه والأصدق والأفخر أو نحو ذلك فنورد جملة مما وقع لهم في ذلك إمتاعاً والله الموفق.
لله الأمر من قبل ومن بعد
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع