من «المحاضرات في اللغة والأدب» لليوسي (ت ١١٠٢هـ)
ملح من الأدب
رأيت أن ألم بملح من الأدب تثميناً للكتاب، وامتناعاً لذوي الألباب، فإن النفس ملول والأذن مجاجة، وفي التلون والانتقال تطييب لها وتنشيط كما قيل:
لا يصلح النفس إن كانت مدبرةإلاّ التنقل من حال إلى حال
وذلك كله مما يصلح للمحاضرات ويوافق شرط الكتاب، ويعد من الآداب.
وقد قال الحسن بن سهل: الآداب عشرة: ثلاثة شهرجانية وهي ضرب العود، ولعب الشطرنج، والصوالج، وثلاثة أنوشروانية، وهي: الطب، والهندسة، والفروسية، وثلاثة عربية، وهي: الشعر والنسب وأيام الناس، والعاشرة مقطعات الحديث والسمر وما يتعاطاه الناس بينهم في المجالس، وهذا عام.
وقال ابن مسعود ﵁: القلوب تمل كما تمل الأبدان فابتغوا لها طرائف الحكمة.
وقال أبو الدرداء ﵁: إني لأستجم نفسي من الباطل ليكون أقوى لها على الحق، وقال الشاعر:
عجبا ً ممن تناهت حالهوكفاه الله ذلات الطلب
كيف لا يقسم شطري عمرهبين حالين نعيم وأدب
مرة جداً وأخرى لعباًفإذا ما غسق الليل انتصب
فقضى الدنيا نهاراً حقهوقضى لله ليلاً ما يجب
وفي هذا إشارة إلى ما روي في حكمة آل داود ﵇: لا ينبغي للعاقل أن يخلي نفسه من أربع: عدة لمعاد، وإصلاح لمعاش، وفكر يقف به على ما يصلحه مما يفسده، ولذة في غير محرّم يستعين بها على الحالات الثلاث. وكان ﷺ يمزح ولا يقول إلاّ حقاً، وكان أصحابه يتناشدون ويفيضون في الأنساب وأيام الناس ولا ينكر عليهم، وذلك كله مشهور.
وقيل لسعيد بن المسيب: إن قوماً من " أهل " العراق لا يرون إنشاد الشعر فقال: نسكوا نسكاً أعجمياً.
وقيل لابن سيرين: إن قوماً يرون إنشاد الشعر ينقض الوضوء فأنشد:
لقد أصبحت عرْسُ الفرزدق ناشزاًولو رضيت رمح أسته لاستقرت
ثم قام يصلي، وقيل بل أنشد:
نبئت أن فتاة كنت أخطبهاعرقوبها مثل شهر الصوم في الطول
وقيل لأبي السائب المخزومي: أترى أحداً لا يشتهي النسيب فقال: أما من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا.
وكان فضلاء هذه الأمة يروون الشعر ويقولونه أما النبي ﷺ فقد كان مصروفاً عنه قول الشعر سداً للذريعة، وتنزيهاً عن النقيصة، ونفياً للتهمة، قال الله تعالى:) وَمَا عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغي لَهُ (وأما غيره ﷺ فلا محذور عليه في إنشاد الشعر رواية وقولاً، فإن الشعر من جملة الكلام، نعم إذا كثر ذلك حتى ألهاه عن ذكر الله فهو مذموم، ولا خصوصية في هذا الشعر.
فمما يروى لأبي بكر ﵁ قوله:
تعدون قتلى في الحرام عظيمةوأعظم منه لو يرى الرشد راشد
صدودكم عما يقول محمدوكفر به والله راءٍ وشاهد
سقينا من ابن الحضرمي رماحنابنخلة لما أوقد الحربَ واقد
ومما يروي لعمر ﵁ قوله:
لا شيء مما ترى تبقى بشاشتهإلاّ الإله ويودي المال والولد
لم تُغْنِ عن هرمز يوماً خزانتهوالخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
ولا سليمان إذ تجري الرياح لهوالجن والإنس فيما بينها ترد
أين الملوك التي كانت نوافلهامن كل أوب إليها وافد يفد
حوض هنلك مورد بلا كذبلا بد من ورده يوماً كما وردوا
ومما يروى لعثمان ﵁ قوله:
تفنى اللذاذة ممّن نال صفوتهامن الحرام ويبقى الإثم والعار
تبقى عواقب سوء من مغبتهالا خير في لذة من بعدها النار
ومما ينسب إلى علي كرم الله وجهه:
محمد النبي أخي وصهريوحمزة سيد الشهداء عمّي
وجعفر الذي يمسي ويضحييطير مع الملائكة ابن أمي
وبنت محمد سكَني وعرسيمنوط لحمها بدمي ولحمي
وسبطا أحمد ولداي منهافمن هذا له سهم كسهمي
سبقتكم إلى الإسلام طراًغلاماً ما بلغت حلْمي
وصليت الصلاة وكنت رِدْءاًفمن ذا يدعي يوماً كيومي
وأوجب لي الولاء معاً عليكمرسول الله يوم غدير خم
وغدير خم بضم الخاء موضع بين الحرمين.
ومن شعره أيضاً وقيل: لم يثبت عنه غيره:
تلكم قريش تمناني لتقتلنيفلا وربث ما برّوا ولا ظفروا
فإن هلكت فرهن ذمتي لهمبذاتِ وَدْقَينِ لا يعفو لها أثر
وذات ودقين الداهية.
ومما يروى لعمر بن عبد العزيز ﵁ قوله:
إن كنت تعلم أن الله يا عمريرى ويسمع ما تأتي وما تذر
وأنت غفلة عن ذاك تركب ماعنه نهاك فأين الخوف والحذر
فانظر لنفسك يا مسكين في مهلما دام ينفعك التفكير والنظر
قف بالمقابر وانظر إن وقفت بهالله درك ماذا تستر الحُفَر
ففيهم لك يا مغرور موعظةوفيهم لك يا مغرور معتبر
فهؤلاء الأئمة المقتدى بأقوالهم وأفعالهم " وأحوالهم ".
وقد وقع ذلك لأكابر العلماء من أهل الدين كثيراً شهيراً، ومنهم من كان غزير المادة في الشعر مديد الباع فيه كعبيد الله بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود أحد الفقهاء السبعة بالمدينة حتى كان ابن المسيب إذا لقيه يقول له: مرحباً بالفقيه الشاعر فيقول عبيد الله: لا بد للمصدور أن ينفث، فمن قوله:
كتمتَ الهوى حتى أضر بك الكتمولامك أقوام ولومهم ظلم
ونمّ عليك الكاشحون وقبلهمعليك الهوى قد نم لو ينفع النم
وزادك إغراء بها طول بخلهاعليك وأبلى لحم أعظمك الهم
وأصبحت كالنهدي إذ مات حسرةعلى أثر هند أو كمن سقي السم
وكأنه أراد: من سقيه السم فحذف الضمير.
ووردت امرأة جميلة مع ابن " لها " صغير " المدينة " فخطبت وكان ممن خطبها عبيد الله فقال فيها معرضاً ببراعة الفقهاء السبعة:
أحبك حباً لا يحبك مثلهقريب ولا في العالمين بعيد
أحبك حباً لو علمت ببعضهلجُدْتِ ولم يصعب عليك شديد
أحبك يا أم الوليد متيميشهيدي أبو بكر وذاك شهيد
ويعلم وجدي قاسم بن محمدوعروة ما ألقى بكم وسعيد
ويعلم ما أخفي سليمان كلهوخارجه يبدي بنا ويعيد
متى تسألي عما أقول تخبريفللحب عندي طارف وتليد
ويحكى أنه لقيه بعد هذا سعيد بن المسيب يوماً فقال له: أما إنك قد أمنت أن تسألنا، ولو سألتنا ما شهدْنا لك بزور، وهذا من فكاهة أهل الحجاز ولطافتهم ﵃.
وكان الإمام الشافعي ﵁ وهو القائل مخبراً عن غزارة عنصره في ذلك:
ولولا الشعر بالفقهاء يزريلكنت اليوم أشعرَ من لبيد
فمن قوله:
ماذا يخبر ضيف بيتك أهله؟إن سيل: كيف مَراده ومعاجه؟
أيقول جاورت الفرات ولم أنلرِفداً إليه وقد طغت أمواجه
ورقيت في درج العلى فتضاءلتعما أريد شعاره وفجاجه
ولتخبرنَّ خصاصتي بتملقيوالماء يخبر عن قذاه
عندي يواقيت القريض ودُرُّهوعليّ إكليل الكلام وتاجه
تُرْبي على روض الرّبى أزهارهويرِق في نادي الندى ديباجه
والشاعر المِنطيق أسود سالخوالشعر منه لعابه ومُجاجه
وعداوة الشعراء داء مُعضِلولقد يهون على الكريم علاجه
والظاهر أنه قال هذا قبل اشتغاله بالفقه، فأنه لم يشتغل به حتى الآن في البادية وتوسع في العربية والشعر.
ويحكى عن أبي القاسم بن الأزرق الشاعر أنه قال: جئت الشافعي يوما فقلت: يا أبا عبد الله لك الفقه تفوز بفوائده، ولنا الشعر، فأردت مداخلتنا فيه، فأما أفردتنا الشعر، وإما أشركتنا في الفقه، وقد أتيت بأبيات إن أتيت بمثلها تبت عن الشعر، وإن عجزت تبت عنه، فقال: هات، فأنشدته:
ما همّتي إلاّ مقارعة العداخَلِقَ الزمان وهمتي لم تخلَق
والناس أعينهم إلى سلب الفتىلا يسألون عن الحِجا والأوْلَقِ
لكن من رُزِق الحجا حُرِم الغنىهذان مفترقان أي تفرق
لو كان بالحِيَل الغنى لوجدتنيبنجوم أقطار السماء تعلقي
فقال الشافعي: أنا أقول خيراً منه وأنشد مرتجلاً:
إن الذي رُزِقَ اليسارَ ولم ينلْحمداً ولا أجراً لغيرُ موفَّق
فالجَدَ يدني كل شيء شاسعوالجَدّ يفتح كل باب مغلق
فإذا سمعت بأن مجدوداً حوىعوداً فأثمر في يديه فحقق
وإذا سمعت بأن محروماً أتىماء ليشربه فغاص فصدّق
وأحقّ خلق اللهِ بالهمِّ امرؤذو همة يبلى برزق ضيق
ومن الدليل على القضاء وكونهبؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
وقال أبو سعيد المكي: سمعت الشافعي ﵁ ينشد:
رأيت نفسي تتوق إلى مصرومن دونها عرض المهامه والفقر
ووالله ما أدري أللفقر والغنىأقاد إليها أم أقاد إلى قبري
وكان ينشد ﵁:
يا لهف نفسي على مال أفرقهعلى الفريقين من أهل المروآت
إن اعتذاري إلى من جاء يسألنيما ليس عندي لمن إحدى المصيبات
وقال يونس بن عبد الأعلى: كان الشافعي يتمثل:
إذا أصبحت عندك قوت يومفخلِّ الهم عني يا سعيد
ولم تخطر هموم غد بباليلأن غداً له رزق جديد
أسلم إن أراد الله أمراًوأترك ما أريد لما يريد
توفي ﵁ بمصر آخر يوم من رجب سنة سبع ومائتين، قال الربيع: لما دفناه رأينا هلال شعبان، وعاش أربعاً وخمسين سنة.
وكان القاضي عبد الوهاب بن نصر الفقيه المالكي ﵁، وفيه يقول أبو العلاء المعري حين مر بهم متوجهاً إلى مصر:
والمالكيُّ ابن نصرٍ زار في سفربلادنا فحمدنا النأيَ والسّفرا
إذا تكلّم أحيا مالكاً جدَلاًويُنشرُ الملك الضليل إن شعرا
فمن قوله يتغزل ويوري بالمسائل الفقهية:
ونائمة قبّلتها فتنبهتفقالت: تعالوا فاطلبوا اللص بالحد
فقلت لها: إني لثمتك غاصباًوما حكموا في غاصب بسوى الرد
خديها وكفي لي عن إثم ظلامتيوإن أنت لم ترضي فألف من العد
فقالت: قصاص يشهد العقل أنهعلى كبد الجاني ألذ من الشهد
فباتت يميني وهي هسيان خصهاوباتت يساري وهي واسطة العقد
وقالت: ألم أخبر بأنك زاهدفقلت لها: ما زلت أزهد في الزهد
وينسب إليه قوله:
تملكت يا مهجتي مهجتيوأسهرت يا ناظري ناظري
وما كان ذا أملي يا ملولولا خطر الهجر في خاطري
فجد بالوصال فدتك النفوسفلست على الهجر بالقادر
أيا غائباً حاضراً في الفؤادسلام على الغائب الحاضر
" وله أيضاً ﵀:
يلومونني أن بعت بالرخص منزليولم يعلموا جاراً هناك ينغص
فقلت لهم: كفوا الملام فإنمابجيرانها تغلو الديار وترخص "
ولفقهاء العدوة من ذلك ما يطلع بدراً لائحاً، ويسطع زهراً فائحاً، وتتهاداه الحور، وتتحلى منه النحور، وتتبع ذلك يطيل، ونلم من ذلك بالقليل، إذ لا بد لهذا الكتاب، أن يأخذ من كل لباب، فمن ذلك قول الفقيه القاضي أبي الوليد الباجي ﵀ في معنى الزهد:
إذا كنت أعلم علماً يقيناًبأن جميع حياتي كساعة
فلمْ لا أكون ضنينا بهاوأجعلها في صلاح وطاعة
ومن ذلك قول محمد بن سماك صاحب الأحكام يصف الروض:
الروض مخضر الربى متجمّلللناظرين بأجمل الألوان
فكأنما بسطت هناك سوارهاخود زهت بقلائد العقيان
وكأنما فتحت هناك نوافجمن مسكة عجنت بصرف البان
والطير يسجع في الغصون كأنهنقر القيان جثت على العيدان
والماء مطّرد يسيل عبابهكسلاسل من فضة وجمان
بهجات حسن أكملت فكأنماحسن اليقين وبهجة الإيمان
وللفقيه أبي محمد عبد الله بن السيد البطليوسي في الزهد:
أمرت إلهي بالمكارم كلهاولم ترضها إلاّ وأنت لها أهل
فقلت: اصفحوا عمن أساء إليكموعوذوا بحلم منكم إن بدا جهل
فهل لجهول خاف صعب ذنوبهلديك أمان منك أو جانب سهل
وله يصف فرساً:
وأدهم من آل الوجيه ولاحقٍله ليل لون والصباح حُجُول
تحير ماء الحسن فوق أديمهفلولا التهاب الحضر ظل يسيل
كأن هلال الفطر لاح بوجههفأعيينا شوقاً إليه تميل
كأن الرياح العاصفات تُقِلّهإذا ابتل منه محزم وقليل
وللحافظ أبي بكر بن عطية ﵀ يحذر من خلط الزمان:
كن بذئب صائد مستوحشاًفإن أبصرت إنسانا ففر
إنما الإنسان بحر مالهساحل فأحذره إياك الغَرَر
واجعل الناس كشخص واحدثم كن من ذلك الشخص حذر
وله يعاتب بعض إخوانه:
وكنت أظن جبالَ رَضوىتزول وأن ودّك لا يزول
ولكن الأمور لها اضطرابوأحوال ابن آدم تستحيل
فإن يك بيننا وصل جميلوإلاّ فليكن هجر جميل
ولابنه الحافظ عبد الحق ﵀ يصف الزمان وأهله:
داء الزمان وأهلهداء يعز له العلاج
أطلعت في ظلماتهودّا كما سطع السراج
لصحابة أعيا ثِقَافي من قناتهم اعوجاج
أخلاقهم ماء صفامرأى ومطعمهُ أُجاج
كالدر ما لم تختبرفإذا اختبرت فهم زجاج
وللفقيه القاضي عياض بن موسى اليحصبي ﵁ من شعره:
إذا ما نشرت بساط انبساطفعنه فديتك فاطو المزاحا
فإن المزاح كما قد حكىأُولُوا العلم قبلُ عن الحلم زاحا
وله عند ارتحاله من قرطبة ﵀:
أقول وقد جدّ ارتحالي وغردتحُداتي ورنت للفراق ركائبي
وقد غمصت من كثرة الدمع مقلتيوصارت هواءً من فؤادي ترائبي
ولم تبقَ إلاّ وقفة تستحثهاوداعي للأحباب لا للحبائب
رعى الله جيراناً بقرطبة العلىوسقى رباها بالعِهادِ السواكب
وحيا زماناً بينهم قد ألفتهطليق المحيّا مستلانَ الجوانب
أحبابنا في الله فيها تذكروامعاهد جار أو مودّة صاحب
غدوت بهم من برهم واحتفائهمكأني في أهلي وبين أقاربي
وله برد الله ضريحه في الوداع:
يا من ترحل عني غير مكترثلكنه للضنى والسّقم أوصى بي
تركتني مستهام القلب ذا حُرَقٍأخا جوى وتباريح وأوْصاب
فلم أذق من لذيذ العيش بعدكمإلاّ جَنى حنظل في الطعم أو صاب
أراقب النجم في جنح الدجى سَهَراًكأنني راقب للنجم أو صابي
وللأديب أبي الوليد محمد بن عبد الله بن زيدون رحمة الله عليه:
ودع الصبر محب ودَّعكحافظ من سره ما استودعك
يقرع السن على أن لم يكنزاد في تلك الخُطا إذ شيعك
يا أخا البدر سناءً وسَناًحفظ الله زماناً أطلعك
إنْ يَطلْ بعدك ليلي فلكَمْبتّ أشكو قِصَر الليل معك
يا قمراً أطلعه المغربقد ضاق بي حبك المذهب
ألزمتني الذنب الذي جئتهصدقت فاصفح أيها المذنب
وإنما أغرب ما مرّ بيأن عذابي بك مستغرب "
وتتبع ذلك يطيل ويخرج عن الغرض.
لله الأمر من قبل ومن بعد
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع