من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
الشّحر
ناحية بين عدن وعمان على ساحل البحر. ينسب إليها العنبر الشّحريّ لأنّه يوجد في سواحلها. وبها غياض كثيرة يوجد بها النسناس.
حكى بعض العرب قال: قدمت الشحر فنزلت عند بعض رؤسائها وسألت عن النسناس فقال: إنّا لنصيده ونأكله، وهو دابّة كنصف بدن الإنسان له يد واحدة ورجل واحدة، وكذلك جميع الأعضاء، فقلت: أنا أحبّ أن أراه، فقال لغلمانه: صيدوا لنا شيئا منه. فلمّا كان من الغد جاءوا بشيء له وجه كوجه الإنسان إلّا أنّه نصف الوجه، وله يد واحدة في صدره، وكذلك رجل واحدة، فلمّا نظر إليّ قال: أنا باللّه وبك. فقلت لهم: خلّوا عنه. فقالوا:
لا تغترّ بكلامه فإنّه مأكولنا، فلم أزل بهم حتى أطلقوه فمرّ مسرعا كالريح.
فلمّا جاء الرجل الذي كنت عنده قال لغلمانه: أما قلت لكم صيدوا لنا شيئا؟ فقالوا: فعلنا لكن ضيفك خلّى عنه. فضحك وقال: خدعك واللّه! ثمّ أمرهم بالغدو إلى الصيد، فغدوا بالكلاب وكنت معهم فصرنا إلى غيضة في آخر الليل، فإذا واحد يقول: يا أبا مجمر إن الصبح قد أسفر واللّيل قد أدبر والقيض قد حضر فعليك بالوزر. فقال الآخر: كلي ولا تراعي، فأرسلوا الكلاب عليهم، فرأيت أبا مجمر وقد اعتوره كلبان وهو يقول:
الويل لي ممّا به دهانيدهري من الهموم والأحزان
قفا قليلا أيّها الكلبانواسمعا قولي وصدّقاني
إنّكما حين تحاربانيألفيتماني خضلا عناني
لو بي شبابي ما ملكتمانيحتى تموتا أو تركتماني
فالتقياه وأخذاه، فلمّا حضر الرجل على عادته أتوا بأبي مجمر مشويّا، وذكر خبر النسناس في وبار أبسط من هذا.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع