من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
شعب
جبل باليمن فيه بلاد وقرى، يقال لأهلها الشّعبيّون، قتل بها الشّنفرى فقال تأبّط شرّا وهو خال الشنفرى:
إنّ بالشّعب من دون سلعلقتيلا دمه ما يطلّ
منها أبو عمرو عامر بن شراحيل الشعبي، كان عالما ورعا فريد دهره، ولّي القضاء من قبل عبد الملك بن مروان، بعثه إلى الروم رسولا فأدخلوه على الملك من باب لصّ حتى ينحني للدخول، فيقولون: خدّم للملك، فعرف الشعبي ذلك فدخله من خلفه، فلمّا رأى صاحب الروم كمال عقله وحسن جوابه وخطابه قال له: أمن بيت الخلافة أنت؟ قال: لا، أنا رجل من العرب.
فكتب إلى عبد الملك: عجبت من قوم عندهم مثل هذا الرجل وولّوا غيره أمرهم! فقال عبد الملك للشعبي: حسدني عليك أراد أن أقتلك! فقال الشعبي:
إنّما كهر أمير المؤمنين لأنّه لم يرك! فقال: للّه درّك ما عدا ما في نفسي.
وحكي أن الشعبي جلس يوما للقضاء فاحتكم إليه زوجان، وكانت المرأة من أجمل النساء، فأظهرت المرأة حجّتها. فقال للزوج: هل لك ما تدفع هذه؟ فأنشأ يقول:
فتن الشّعبيّ لمّارفع الطّرف إليها
فتنته بدلالوتخطّى حاجبيها
قال للجوّار قرّبها وقرّب شاهديها
فقضى جورا على الحصم ولم يقض عليها
قال الشعبي: دخلت على عبد الملك بن مروان، فلمّا نظر إليّ تبسّم وقال:
فتن الشّعبيّ لمّا رفع الطّرف إليها
ثمّ قال: ما فعلت بقائل هذا؟ قلت: أوجعت ظهره ضربا يا أمير المؤمنين لما هتك حرمتي! فقال: أحسنت واللّه وأجملت!
وحكي أن الشعبي دخل على قوم وهم يذكرونه بالسوء فقال:
هنيئا مريئا غير داء مخامرلعزّة من أعراضنا ما استحلّت
وسبّه رجل فقال: يا هذا إن كنت صادقا غفر اللّه لي، وإن كنت كاذبا غفر اللّه لك!
توفي سنة أربع ومائة عن اثنتين وثمانين سنة.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع