تجاوز إلى المحتوى

من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

مدينة يثرب

هي مدينة الرسول، ﷺ، وهي في حرّة سبخة مقدار نصف مكّة. من خصائصها أن من دخلها يشمّ رائحة الطيب، وللعطر فيها فضل رائحة لم توجد في غيرها، وأهلها أحسن الناس صوتا. قيل لبعض المدنيّين:

ما بالكم أنتم أطيب الناس صوتا؟ فقال: مثلنا كالعيدان خلت أجوافنا فطاب صوتنا.

بها التمر الصّيحاني لم يوجد في غيرها من البلاد. وبها حبّ البان يحمل منها إلى سائر البلاد. وعن ابن عبّاس ان النبيّ، ﵇، حين عزم الهجرة قال: اللهمّ إنّك قد أخرجتني من أحبّ أرضك إليّ فأنزلني أحبّ أرضك إليك! فأنزله المدينة. ورأى النبيّ، ﷺ، بلال بن حمامة وقد هاجر فاجتوى المدينة وهو يقول:

ألا ليت شعري! هل أبيتنّ ليلةبفخّ وحولي إذخر وجليل؟
وهل أردن يوما مياه مجنّة؟وهل يبدون لي شامة وطفيل؟

فقال، ﷺ: خفت يا ابن السوداء! ثمّ قال: اللهمّ حبّب إلينا المدينة كما حبّبت مكّة وأشدّ، وصحّحها وبارك لنا في صاعها ومدّها، وانقل حمّاها إلى خيبر والجحفة.

وعن أبي هريرة أن رسول اللّه، ﷺ، قال: إن إبراهيم عبد اللّه وخليله وأنا عبد اللّه ورسوله، وان إبراهيم حرّم مكّة واني حرّمت المدينة ما بين لابتيها عضاهها وصيدها، لا يحمل فيها سلاح لقتال ولا تقطع منها شجرة إلّا لعلف البعير.

وعن أبي هريرة عن النبيّ، ﷺ: من صبر على لأواء المدينة وشدّتها كنت له يوم القيامة شفيعا أو شهيدا.

والمدينة مسوّرة، ومسجد النبيّ، ﵇، في وسطها وقبره في شرقي المسجد، وبجنبه قبر أبي بكر وبجنب قبر أبي بكر قبر عمر.

وكتب الوليد بن عبد الملك إلى صاحب الروم يطلب منه صنّاعا لعمارة مسجد رسول اللّه، ﷺ، فبعث إليه أربعين رجلا من صنّاع الروم وأربعين من صنّاع القبط، ووجّه معهم أربعين ألف مثقال ذهبا وأحمالا من الفسيفساء. فجاء الصنّاع وخمّروا النورة سنة للفسيفساء، وجعلوا أساسها بالحجارة، وجعلوا أسطوانات المسجد من حجارة مدوّرة في وسطها أعمدة حديد، وركّبوها بالرصاص، وجعلوا سقفها منقّشة مزوّقة بالذهب، وجعلوا بلاط المحراب مذهبا، وجعلوا وجه الحائط القبلي من داخله بازار رخام من أساسه إلى قدر قامة، وفي وسط المحراب مرآة مربعة ذكروا أنّها كانت لعائشة، والمنبر كان للنبي قد غشي بمنبر آخر، وقال، ﵇: ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنّة.

بها بئر بضاعة. روي أن النبيّ، ﵇، توضّأ بمائها في دلو وردّ الدلو إلى البئر، وشرب من مائها وبصق فيها، وكان إذا مرض المريض في أيّامه يقول: اغسلوه بماء بضاعة، فإذا غسل فكأنّما أنشط من عقال. وقالت أسماء

بنت أبي بكر: كنّا نغسل المرضى من بئر بضاعة ثلاثة أيّام فيعافون.

بها بئر ذروان، ويقال لها بئر كملى هي البئر المشهورة. عن ابن عبّاس:

طبّ رسول اللّه، ﷺ، حتى مرض مرضا شديدا، فبينا هو بين النائم واليقظان رأى ملكين أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: ما وجعه؟ فقال: طبّ! قال: ومن طبّه؟ قال لبيد بن الأعصم اليهودي. قال: وأين طبّه؟ قال: في كربة تحت صخرة في بئر كملى، وهي بئر ذروان. فانتبه النبيّ، ﷺ، وحفظ كلام الملكين، فبعث عليّا وعمّارا مع جمع من الصحابة إلى البئر فنزحوا ماءها حتى انتهوا إلى الصخرة فقلبوها ووجدوا الكربة تحتها، وفيها وتر فيها إحدى عشرة عقدة، فأحرقوا الكربة بما فيها فزال عنه، ﵇، ما كان به وكأنّه أنشط من عقال. فأنزل اللّه تعالى عليه المعوّذتين إحدى عشرة آية على عدد عقده.

بها بئر عروة، تنسب إلى عروة بن الزّبير؛ قال الزبير بن بكّار: ماء هذه البئر من مرّ بالعقيق يأخذه هدية لأهله، ورأيت أبي يأمر به فيغلى ثمّ يأخذه في قوارير يهديه إلى الرشيد وهو بالرقّة، وقال السري بن عبد الرحمن الأنصاري:

كفّنوني إن متّ في درع أروىواجعلوا لي من بئر عروة مائي
سخنة في الشّتاء باردة الصّيف سراج في اللّيلة الظّلماء
للشاعر عروة بن أذينة، من قصيدة «سخنة في الشتاء باردة الصيف»

وأهل المدينة الأنصار، عليهم الرحمة والرضوان، ان اللّه تعالى أكثر من الثناء عليهم في القرآن.

وقد خصّ بعضهم بخاصيّة لم توجد في غيرهم، منهم حميّ الدّبر وهو عاصم بن الأفلح، رضوان اللّه عليه، استشهد وأراد المشركون أن يمثّلوا به فبعث اللّه الزنابير أحاطت به ومنعت المشركين الوصول إليه.

ومنهم بليع الأرض وهو حبيب بن ثابت، رضوان اللّه عليه، صلبه المشركون فبعث رسول اللّه، ﷺ، من يأخذه ويدفنه، فأخذوه وقبل دفنه فقدوه وبلعته الأرض.

ومنهم غسيل الملائكة وهو حنظلة بن راهب، رضوان اللّه عليه، استشهد يوم أحد فبعث اللّه تعالى فوجا من الملائكة، رفعوه من بين القتلى وغسلوه فسمّي غسيل الملائكة.

ومنهم ذو الشهادتين وهو خزيمة بن ثابت، رضوان اللّه عليه، اشترى رسول اللّه، ﷺ، فرسا من أعرابي، والاعرابي أنكر الشراء، فقال رسول اللّه، ﵇: إني اشتريت منك! فقال الاعرابي: من يشهد بذلك؟ فقال خزيمة بن ثابت: إني أشهد أن رسول اللّه، ﷺ، اشترى منك. فقال له رسول اللّه، ﵇: كيف تشهد وما كنت حاضرا؟ فقال: يا رسول اللّه إني أصدّقك في أخبار السموات والاخبار عن اللّه تعالى فما أصدقك في شراء فرس! فأمر اللّه تعالى نبيّه، ﵇، أن يجعل شهادته مكان شهادتين.

ومنهم من اهتزّ العرش لموته وهو سعد بن معاذ، رضوان اللّه عليه، سيّد الأوس؛ قال رسول اللّه، ﷺ: اهتزّ العرش لموت سعد ابن معاذ.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الإقليم الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.