من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
بلاد بربر
بلاد واسعة من برقة إلى آخر بلاد المغرب والبحر المحيط. سكّانها أمّة عظيمة يقال إنّهم من بقيّة قوم جالوت، لمّا قتل هرب قومه إلى المغرب فحصلوا في جبالها، وهم أحفى خلق اللّه وأكثرهم بطشا، وأسرعهم إلى الفتنة وأطوعهم لداعية الضلالة! ولهم أحوال عجيبة واصطلاحات غريبة، سوّل لهم الشيطان الغوايات وزيّن لهم أنواع الضلالات.
عن أنس بن مالك قال: جئت إلى رسول اللّه، ﵇، ومعي وصيف، فقال، ﷺ: يا أنس ما جنس هذا الغلام؟ قلت: بربريّ يا رسول اللّه! فقال: بعه ولو بدينار! قلت: ولم يا رسول اللّه؟ قال: إنّهم أمّة بعث اللّه إليهم رسولا فذبحوه وطبخوه، وأكلوا لحمه وبعثوا مرقه إلى نسائهم! قال اللّه تعالى: لا اتّخذت منكم نبيّا ولا بعثت إليكم رسولا.
وعن رسول اللّه، ﷺ: ولأن أتصدّق بعلاقة سوطي في سبيل اللّه أحبّ إليّ من أن أعتق رقبة بربريّة!
ولكثرة ما تخالف حالاتهم وعاداتهم سائر الناس قال بعض المغاربة:
رأيت آدم في نومي فقلت له:أبا البريّة إنّ النّاس قد حكموا
أنّ البرابر نسل منك؛ قال: أنا!حوّاء طالقة إن صحّ ما زعموا
ومن عاداتهم العجيبة ما حكى ابن حوقل الموصلي التاجر وقد طاف بلادهم:
إن أكثر البربر يضيفون المارة ويكرمون الضيف ويطعمون الطعام ولا يمنعون أولادهم الذكور من طالب التبديل، لو طلب هذا المعنى ممّن هو أكبرهم قدرا وأكثرهم حميّة وشجاعة لم يمتنع عليه. وقد شاهدهم أبو عبد اللّه الشعبي على ذلك حتى بلغ بهم أشدّ مبلغ فما تركوه. ومن العجب أنّهم يرون ذلك كرما والامتناع عنه لؤما ونقصا، ونسأل اللّه السلامة!
وحكي أيضا أن أحدهم إذا أحبّ امرأة وأراد التزوّج بها ولم يكن كفؤا لها، عمد إلى بقرة حامل من بقر أبيها، ويقطع من ذنبها شيئا من الشعر ويهرب، فإذا أخبر الراعي أهل المرأة بذلك خرجوا في طلبه، فإن وجدوه قتلوه، وان لم يظفروا به يمضي هو على وجهه، فإن وجد أحدا قطع ذكره وأتى القوم به قبل أن تلد البقرة، ظفر بالجارية وزوّجوها منه ولا يمكنهم الامتناع البتّة، وإن ولدت البقرة ولم يأت بالذكر المقطوع بطل عمله ولم يمكنه الرجوع إليهم، وإن رجع قتلوه، وترى في تلك البلاد كثيرا من المجبوبين يكون جبّهم بهذا السبب، فإذا حصلوا في بلاد المغرب التمسوا القرآن والزهد.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع