تجاوز إلى المحتوى

من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

البيضاء

مدينة كبيرة بأرض فارس، بناها العفاريت من الحجر الأبيض لسليمان ﵇، فيما يقال. وبها قهندز يرى من بعد بعيد لشدّة بياضه. وهي

مدينة طيّبة كثيرة الخيرات وافرة الغلّات صحيحة الهواء عذبة الماء طيبة التربة، لا تدخلها الحيّات والعقارب ولا شيء من الحيوانات المؤذية.

من عجائبها ما ذكر أنّه في رستاقها عنب كلّ حبّة منها عشرة مثاقيل، وتفّاح دورته شبران.

ينسب إليها الحسين بن منصور الحلّاج، صاحب الآيات والعجائب.

فمن المشهور أنّه كان يركب الأسد ويتّخذ الحيّة سوطا، وكان يأتي بفاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، ويمدّ يده إلى الهواء ويعيدها مملوءة دراهم أحدية: قل هو اللّه أحد، مكتوب عليها. ويخبر الناس بما في ضمائرهم وبما فعلوا. وحكي أنّه خرج يوما من الحمّام، فلقيه بعض من ينكره صفعه في قفاه صفعة قويّة، فقال له: يا هذا لم صفعتني؟ قال: الحقّ أمرني بذلك! فقال: بحقّ الحقّ أردفها بأخرى! فلمّا رفع يده للصفع يبست! فلمّا ظهر قوله أنا الحقّ أنكره الناس وتكلّموا فيه، وقالوا: قل أنا على الحقّ! فقال:

ما أقول إلّا أنا الحقّ! وسمع منه أشعار مثل قوله:

أنا من أهوى ومن أهوى أنانحن روحان حللنا بدنا
للشاعر الحلاج، من قصيدة «أنا من أهوى ومن أهوى أنا»

ومثل قوله:

عجبت منك ومنّيأفنيتني بك عنّي
أدنيتني منك حتّىظننت أنّك أنّي
للشاعر الحلاج، من قصيدة «عجبت منك ومني»

فلمّا سمع أمثال هذه بعض الناس أساؤوا الظنّ فيه. حكى أبو القاسم بن كجّ أن جمعا من الصوفية ذهبوا إلى الحسين بن منصور وهو بتستر، وطلبوا منه شيئا، فذهب بهم إلى بيت نار المجوس فقال الديراني: ان الباب مغلق ومفتاحه عند الهربد! فجهد الحسين فلم يجبه، فنفض الحسين كمّه نحو القفل فانفتح، فدخلوا البيت، فرأوا قنديلا مشتعلا لا ينطفئ ليلا ولا نهارا، فقال: انّها

من النار التي ألقي فيها الخليل، ﵇. نحن نتبرّك بها وتحمل المجوس منها إلى جميع بلادهم.

فقال له: من يقدر على إطفائها؟ قال: قرأنا في كتابنا أنّه لا يقدر على إطفائها إلّا عيسى بن مريم، ﵇. فأشار الحسين إليها بكمّه فانطفت، فقامت على الديراني القيامة وقال: اللّه اللّه! قد إنطفت في هذه الساعة جميع نيران المجوس شرقا وغربا! فقال له: من يقدر على ردّها؟ فقال: قرأنا في كتابنا أنّه يقدر على ردّها من يقدر على إطفائها! فلم يزل يتضرّع إلى الحسين ويبكي فقال له: هل عندك شيء تدفعه إلى هذه المشايخ وأردّها؟ وكان عنده صندوق من دخل البيت من المجوس طرح فيه دينارا، ففتحه وسلّم ما فيه إلى المشايخ وقال: ما هاهنا غير هذا. فأشار الحسين بكمّه إليها، فاشتعلت وقال:

دنيا تخاد عني كأني لست أعرف حالها

حظر المليك حرامها فأنا اجتنيت حلالها

مدّت إليّ يمينها فرددتها وشمالها

فمتى طلبت زواجها حتى أردت وصالها

ورأيتها محتاجة فوهبت جملتها لها!

ومن ظريف ما نقل عنه أنّه قال له بعض منكريه: إن كنت صادقا فيما تدعيه فامسخني قردا! فقال: لو هممت بذلك لكان نصف العمل مفروغا عنه.

فلمّا تكلّم الناس في حقّه بقوله أنا الحقّ قال:

سقوني وقالوا: لا تغنّ! ولو سقواجبال سراة ما سقيت لغنّت!
تمنّت سليمى أن أموت بحبّهاوأسهل شيء عندنا ما تمنّت!
للشاعر الحلاج، من قصيدة «سقوني وقالوا لا تغن ولا سقوا»

وحكى أبو عبد اللّه محمّد بن خفيف قال: دخلت على الحسين بن منصور

وهو في الحبس مقيّدا. فلمّا حضر وقت الصلاة رأيته نهض، فتطايرت منه القيود وتوضّأ وهو على طرف المحبس، وفي صدر ذلك المحبس منديل. وكان بينه وبين المنديل مسافة، فواللّه ما أدري أن المنديل قدم إليه أو هو إلى المنديل!

فتعجّبت من ذلك وهو يبكي بكاء فقلت له: لم لا تخلّص نفسك؟ فقال:

ما أنا محبوس! أين تريد يا ابن خفيف؟ قلت: نيسابور! فقال: غمّض عينيك! فغمّضتهما. ثمّ قال: افتحهما. ففتحت فإذا أنا بنيسابور في محلّة أردتها.

فقلت: ردّني. فردّني وقال:

واللّه لو حلف العشّاق أنّهمموتى من الحبّ أو قتلى لما حنثوا
للشاعر الحلاج، من قصيدة «والله لو حلف العشاق أنهم»
قوم إذا هجروا من بعد ما وصلواماتوا وإن عاد وصل بعده بعثوا
للشاعر الحلاج، من قصيدة «والله لو حلف العشاق أنهم»
ترى المحبّين صرعى في ديارهمكفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا
للشاعر الحلاج، من قصيدة «والله لو حلف العشاق أنهم»

ثمّ قال: يا ابن خفيف، لا يكون الحزن إلّا لفقد محبوب أو فوت مطلوب! والحقّ واضح والهوى فاضح. والخلق كلّهم طلّاب وطلبهم على قدر هممهم، وهممهم على قدر أحوالهم، وأحوالهم مطبوعة على علم الغيب، وعلم الغيب غائب عنهم، والخلق كلّهم حيارى. وأنشأ يقول:

أنين المريد لشوق يزيدأنين المريض لفقد الطّبيب
للشاعر الحلاج، من قصيدة «حنين المريد لشوق يزيد»
قد اشتدّ حال المريدين فيهلفقد الوصال وبعد الحبيب
للشاعر الحلاج، من قصيدة «حنين المريد لشوق يزيد»

ثمّ قال: يا ابن خفيف، حججت إلى زيارة القديم فلم أجد لقوم موضعا من كثرة الزائرين، فوقفت وقوف البهيت، فنظر إليّ نظرة فإذا أنا متّصل به، ثمّ قال: من عرفني ثمّ أعرض عني فإني أعذّبه عذابا لا أعذّبه أحدا من العالمين.

وجعل يقول:

عذابه فيك عذبوبعده منك قرب
وأنت عندي كروحيبل أنت منها أحبّ
للشاعر الحلاج، من قصيدة «الصب رب محب»
وأنت للعين عينوأنت للقلب قلب
للشاعر الحلاج، من قصيدة «الصب رب محب»
حتى من الحبّ إنيلما تحبّ أحبّ

وحكي أن حبسه كان في عهد المقتدر باللّه، وكان الوزير حامد بن العبّاس سيء الظنّ فيه، فأحضر عند الوزير وقاضي القضاة أبي عمرو وقالوا له:

بلغنا أنّك قلت: من كان له مال يتصدّق به على الفقراء خير من أن يحجّ به! فقال الحسين: نعم! أنا قلت ذلك! فقالوا له: من أين قلت هذا؟ فقال:

من الكتاب الفلاني! فقال القاضي: كذبت يا زنديق! ذلك الكتاب سمعناه فما وجدنا فيه هذا! فقال الوزير للقاضي: اكتب انّه زنديق! فأخذ خط القاضي وبعث إلى الخليفة فأمر الخليفة بصلبه، ولمّا أخرج استدعى بعض الحجّاب وقال:

إني إذا أحرقت يأخذ ماء دجلة في الزيادة حتى تكاد تغرق بغداد، فإذا رأيتم ذلك خذوا شيئا من رمادي واطرحوه في الماء ليسكن! وكان ينشد هذين البيتين:

اقتلوني يا ثقاتي، إنّ في موتي حياتيومماتي في حياتي، وحياتي في مماتي
والذي حيّ قديم غير مفقود الصّفاتوأنا منه رضيع في حجور المرضعات

وحكي أن بعض من كان ينكره لمّا صلب وقف بإزائه يقول: الحمد للّه الذي جعلك نكالا للعالمين وعبرة للناظرين! فإذا هو بالحسين ورآه واضعا يديه على منكبيه يقول: ما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم!

فلمّا صلب وأحرق أخذ الماء في الزيادة حتى كادت تغرق بغداد! فقال الخليفة:

هل سمعتم من الحلّاج فيه شيئا؟ قال الحاجب: نعم يا أمير المؤمنين إنّه قال كذا وكذا. فقال: بادروا إلى ما قال! فطرحوا رماده في الماء فصار رماده على وجه الماء على شكل اللّه مكتوبا وسكن الماء. وكان ذلك في سنة تسع وثلاثمائة، واللّه الموفق.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الإقليم الثالث

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.