من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
عكّة
مدينة على ساحل بحر الشام من عمل الأردن، من أحسن بلاد الساحل في أيّامنا وأعمرها، وفي الحديث: طوبى لمن رأى عكّة! قال البشّاري: عكّة مدينة حصينة على البحر كبيرة، لم تكن على هذه الحصانة حتى قدمها ابن طولون وقد رأى مدينة صور واستدارة الحائط على مبناها، فأحبّ أن يتّخذ لعكّة مثل ذلك، فجمع صنّاع البلاد فقالوا: لا نهتدي إلى البناء في الماء، حتى ذكر عنده جدّي أبو بكر البنّاء، فأحضره وعرض عليه فاستهان ذلك وأمر بإحضار فلق من خشب الجمّيز غليظة، نصبها على وجه الماء بقدر الحصن البري، وبنى عليها الحجارة والشيد، وجعل كلّما بنى عليها خمس دوامس ربطها بأعمدة غلاظ ليشتدّ البناء، والفلق كلّما ثقلت نزلت حتى إذا علم أنّها استقرّت على الرمل تركها حولا حتى أخذت قرارها، ثمّ عاد فبنى عليها، وكلّما بلغ البناء إلى الحائط الذي قبله داخله فيه. وقد ترك لها بابا وجعل عليه قنطرة. فالمراكب في كلّ ليلة تدخل الميناء وتجرّ سلسلة بينها وبين البحر الأعظم مثل مدينة صور، فدفع ابن طولون إليه ألف دينار سوى الخلع والمراكب واسمه مكتوب على السور. ولم تزل في أيدي المسلمين حتى أخذها الفرنج في سنة سبع وتسعين وأربعمائة، وكان عليها زهر الدولة الجيوشي من قبل المصريّين، فقاتل أهل عكّة حتى عجزوا. فأخذها الفرنج قهرا وقتلوا وسلبوا ولم تزل في أيديهم إلى زمن صلاح الدين، فافتتحها سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وشحنها بالسلاح
والرجال والميرة، فعاد الفرنج ونزلوا عليها فأتاهم صلاح الدين وأزاحهم عنها، وقاتل الفرنج أشدّ القتال، وقتل خلق كثير حول عكّة وثارت روائح الجيف وتأذى المسلمون منها وظهرت فيهم الأمراض، ومرض صلاح الدين أيضا فأمر الأطبّاء بمفارقة ذلك الموضع ففارقه، فجاء الفرنج وتمكّنوا من حوالي عكّة وخندقوا دونهم، فكان الفرنج محيطين بالمدينة والخندق محيطا بالفرنج، فعادوهم صلاح الدين وأقام حذاءهم ثلاث سنين حتى استعادها الفرنج سنة سبع وثمانين وخمسمائة، وقتلوا فيها المسلمين وهي في أيديهم إلى الآن.
بها عين البقر وهي بقرب عكّة يزورها المسلمون واليهود والنصارى، يقولون: إن البقر الذي ظهر لآدم، ﵇، فحرث عليه خرج منها، وعلى العين مشهد منسوب إلى عليّ بن أبي طالب.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع