من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
مصر
صور حديثة على وصف القزويني؛ في صفحة كل منها وصفه كاملًا.
ناحية مشهورة، عرضها أربعون ليلة في مثلها. طولها من العريش إلى أسوان وعرضها من برقة إلى أيلة. سمّيت بمصر بن مصرايم بن حام بن نوح، ﵇، وهي أطيب الأرض ترابا وأبعدها خرابا، ولا يزال فيها بركة ما دام على وجه الأرض إنسان.
ومن عجائبها انّه إن لم يصبها مطر زكت بخلاف سائر النواحي، وإن أصابها
ضعف زكاؤها. ووصف بعض الحكماء مصر فقال: إنّها ثلاثة أشهر لؤلؤة بيضاء، وثلاثة أشهر مسكة سوداء، وثلاثة أشهر زمردة خضراء، وثلاثة أشهر سبيكة ذهب حمراء. قال كشاجم:
أما ترى مصر كيف قد جمعتبها صنوف الرّياحين في مجلس
السّوسن الغضّ والبنفسج والورد وصفّ البهار والنّرجس
كأنّها الأرض ألبست حللامن فاخر العبقري والسّندس
كأنّها الجنّة التي جمعتما تشتهيه العيون والأنفس
ومن عجائبها زيادة النيل عند انتقاص جميع المياه في آخر الصيف، حتى يمتلئ منه جميع أرض مصر، فإذا زاد اثني عشر ذراعا ينادي المنادي كلّ يوم:
زاد اللّه في النيل المبارك كذا وكذا.
وفي وسط النيل مسجد بناه المأمون لمّا ذهب إلى مصر، وخلف المسجد صهريج، وفي وسط الصهريج عمود من الرخام الأبيض طوله أربعة وعشرون ذراعا، وكتب على كلّ ذراع علامة، وقسم كلّ ذراع أربعا وعشرين إصبعا، وكلّ إصبع ستّة أقسام. وللصهريج منفذ إلى النيل يدخل إليه الماء، فأي مقدار زاد في النيل عرف من العمود، وعلى العمود قوم أمناء يشاهدون ذلك ويخبرون عن الزيادة، فإذا بلغ ستة عشر ذراعا وجب الخراج على أهل مصر، فإذا زاد على ذلك يزيد في الخصب والخير إلى عشرين، فإن زاد على ذلك يكون سببا للخراب. واليوم الذي بلغ الماء فيه ستّة عشر ذراعا يكون يوم الزينة، يخرج الناس بالزينة العظيمة لكسر الخلجان فتصير أرض مصر كلّها بحرا واحدا. والماء يخرج الفئران والثعابين من جحرتها، فتدخل على الناس في القرى ويأكلها الكلاب والزيغان، ويبقى ماء النيل على وجه الأرض أربعين يوما ثمّ يأخذ في الانتقاص.
وكلّما ظهر شيء من الأرض يزرعها الاكرة وتمشي عليها الأغنام لغيب البذر في الطين، ويرمون بذرا قليلا فيأتي بريع كثير لأن اللّه تعالى جعل فيه البركة.
وبها نهر النيل؛ قالوا: ليس على وجه الأرض نهر أطول من النيل لأن مسيره شهر في بلاد الإسلام، وشهران في بلاد النوبة، وأربعة أشهر في الخراب إلى أن يخرج ببلاد القمر خلف خطّ الاستواء. وليس في الدنيا نهر يصبّ من الجنوب إلى الشمال، ويمدّ في شدّة الحرّ عند انتقاص المياه والأنهار كلّها، ويزيد بترتيب وينقص بترتيب إلّا النيل.
قال القضاعي: من عجائب مصر النيل، جعله اللّه تعالى سقيا يزرع عليه ويستغنى عن المطر به في زمان القيظ، إذا نضبت المياه. وسبب مدّه ان اللّه تعالى يبعث ريح الشمال فيقلب عليه البحر الملح، فيصير كالسكر فيزيد حتى يعمّ الرّبى والعوالي ويجري في الخليج والمساقي، فإذا بلغ الحدّ الذي هو تمام الريّ وحضرت أيّام الحراثة، بعث اللّه ريح الجنوب فأخرجته إلى البحر الملح وانتفع الناس بما أروى من الأرض. ولهم مقياس ذكرنا قبل يعرفون به مقدار الزيادة ومقدار الكفاية.
قال القضاعي: أوّل من قاس النيل بمصر يوسف، ﵇، وبنى مقياسه بمنف، وذكر أن المسلمين لمّا فتحوا مصر جاء أهلها إلى عمرو بن العاص حين دخل بؤونه من شهر القبط وقالوا: أيّها الأمير إن لبلدنا سنّة لا يجري النيل إلّا بها، وذلك انّه إذا كان لاثنتي عشرة ليلة من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر، فأرضينا أبويها وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، ثمّ ألقيناها في النيل ليجري. فقال لهم عمرو: إن هذا في الإسلام لا يكون، وإن الإسلام يهدم ما قبله! فأقاموا بؤونه وابيب ومسرى وهو لا يجري قليلا ولا كثيرا حتى همّ الناس بالجلاء. فلمّا رأى عمرو ذلك كتب إلى عمر بن الخطّاب، رصي اللّه عنه، بذلك، فكتب عمر إليه: قد أصبت، إن الإسلام يهدم ما قبله! وقد بعثت إليك بطاقة فألقها في داخل النيل. وإذا في الكتاب: من عبد اللّه عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر، أمّا بعد فإن كنت تجري من قبلك فلا تجر، وإن كان اللّه الواحد القهّار هو الذي يجريك فنسأل اللّه الواحد القهّار أن يجريك! فألقى
عمرو بن العاص البطاقة في النيل قبل الصليب بيوم، وقد تهيّأ أهل مصر للجلاء لأن مصالحهم لا تقوم إلّا بالنيل، فأصبحوا وقد أجرى اللّه النيل ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة.
وأمّا أصل مجراه فإنّه يأتي من بلاد الزنج، فيمرّ بأرض الحبشة حتى ينتهي إلى بلاد النوبة، ثمّ لا يزال جاريا بين جبلين بينهما قرى وبلدان، والراكب فيه يرى الجبلين عن يمينه وشماله حتى يصبّ في البحر. وقيل: سبب زيادته في الصيف أن المطر يكثر بأرض الزنجبار، وتلك البلاد ينزل الغيث بها كأفواه القرب ويصبّ السيول إلى النيل من الجهات، فإلى أن يصل إلى مصر ويقطع تلك المفاوز يكون القيظ ووقت الحاجة إليه.
من عجائب النيل التمساح لا يوجد إلّا فيه، وقيل بنهر السند أيضا يوجد، إلّا أنّه ليس في عظم النيلي، وهو يعضّ الحيوان، وإذا عضّ اشتبكت أسنانه واختلفت فلم يتخلّص منها الذي يقع فيها حتى يقطعه. ويحترز الإنسان من شاطئ النيل لخوف التمساح؛ قال الشاعر:
أضمرت للنّيل هجرانا ومقليةمذ قيل لي: إنّما التّمساح في النّيل
فمن رأى النّيل رأي العين عن كثبفما أرى النّيل إلّا في البواقيل
والبواقيل: كيزان يشرب منها أهل مصر.
وبها شجرة تسمّى باليونانيّة موقيقوس، تراها بالليل ذات شعاع متوهّج يغترّ برؤيتها كثير من الناس، يحسبها نار الرعاة، فإذا قصدها كلّما زاد قربا زادت خفاء حتى إذا وصل إليها انقطع ضوؤها.
وبها حشيشة يقال لها الدلس، يتّخذ منها حبال السفن وتسمّى تلك الحبال القوقس. تؤخذ قطعة من هذا الحبل وتشعل فتبقى مشتعلة بين أيديهم كالشمع، ثمّ تطفأ وتمكث طول الليل، فإذا احتاجوا إلى الضوء أخذوا بطرفه وأداروه ساعة كالمخراق فيشتعل من نفسه.
وبها نوع من البطيخ الهندي تحمل اثنتان منه على جمل قوي، وهي حلوة طيّبة.
وبها حمير في حجم الكباش ملمعة بشبه البغال، ليس مثلها في شيء من البلاد، إذا أخرجت من موضعها لم تعش.
وبها طير كثير أسود البدن أبيض الرأس يقال له عقاب النيل، إذا طار يقول:
اللّه فوق الفوق! بصوت فصيح يسمعه الناس، يعيش من سمك النيل لا يفارق ذلك الموضع.
والبرغوث لا ينقطع بمصر شتاء ولا صيفا، وتولد الفأر بها أكثر من تولدها في سائر البلاد، فترى عند زيادة النيل تسلّط الماء على جحرتها، فلا يبقى في جميع ممرّ الماء فأرة ثمّ تتولّد بعد ذلك بأدنى زمان.
ومن عجائب مصر الدويبة التي يقال لها النمس؛ قال المسعودي: هي دويبة أكبر من الجرذ وأصغر من ابن عرس، أحمر أبيض البطن، إذا رأت الثعبان دنت منه فينطوي عليها الثعبان ليأكلها، فإذا حصلت في فمه ترخي عليه ريحا فينقطع الثعبان من ريحها. وهذه خاصيّة هذه الدويبة، قالوا ينقطع الثعبان من شدّته قطعتين، فإنّها لأهل مصر كالقنافذ لأهل سجستان.
ومن عجائب مصر الهرمان المحاذيان للفسطاط؛ قال أبو الصلت: كلّ واحد منهما جسم من أعظم الحجارة، مربع القاعدة مخروط الشكل، ارتفاع عموده ثلاثمائة ذراع وسبعة عشر ذراعا، يحيط بها أربعة سطوح مثلثات متساويات الأضلاع، كلّ ضلع منها أربعمائة ذراع وستّون ذراعا، وهو مع هذا العظم من أحكم الصنعة واتقان الهندام وحسن التقدير، لم يتأثّر من تضاعف الرياح وهطل السحاب وزعزعة الزلازل.
وذكر قوم أن على الهرمين مكتوبا بخط المسند: إني بنيتهما فمن يدّعي قوّة في ملكه فليهدمهما، فإن الهدم أيسر من البناء، وقد كسوناهما بالديباج فمن استطاع فليكسهما بالحصير.
وقال ابن زولاق: لا نعلم في الدنيا حجرا على حجر أعلى ولا أوسع منهما،
طولهما في الأرض أربعمائة ذراع وارتفاعهما كذلك، وقال أبو عبد اللّه بن سلامة القضاعي في كتاب مصر: إنّه وجد في قبر من قبور الأوائل صحيفة، فالتمسوا لها قارئا فوجدوا شيخا في دير قلمون يقرأها، فإذا فيها: إنّا نظرنا فيما تدلّ عليه النجوم فرأينا أن آفة نازلة من السماء وخارجة من الأرض، ثمّ نظرنا فوجدناه مفسدا للأرض ونباتها وحيوانها، فلمّا تمّ الهرم الغربي بنى لابن أخيه الهرم المؤزّر وكتبنا في حيطانها أن آفة نازلة من أقطار العالم، وذلك عند نزول قلب الأسد أوّل دقيقة من رأس السرطان، وتكون الكواكب عند نزولها إيّاها في هذه المواضع من الفلك، الشمس والقمر في أوّل دقيقة من الحمل، وزحل في درجة وثمان وعشرين دقيقة من الحمل، والمشتري في تسع وعشرين درجة وعشرين دقيقة من الحمل، والمريخ في تسع وعشرين درجة وثلاث دقائق من الحوت، والزهرة في ثمان وعشرين درجة من الحوت، وعطارد في تسع وعشرين درجة من الحوت، والجوزهر في الميزان، وأوج القمر في خمس درجات ودقائق من الأسد. فلمّا مات سوريل دفن في الهرم الشرقي، ودفن أخوه هرجيت في الهرم الغربي، ودفن ابن أخيه كرورس في الهرم الذي أسفله. ولهذه الأهرام أبواب في أزج تحت الأرض، طول كلّ أزج منها مائة وخمسون ذراعا. فأمّا باب الهرم الشرقي فمن الناحية الشرقية، وأمّا باب الهرم الغربي فمن الناحية الغربيّة، وأمّا باب الهرم المؤزّر فمن الناحية الشمالية. وفي الأهرام من الذهب ما لا يحتمله الوصف.
ثمّ ان المترجم لهذا الكلام من القبطي إلى العربي أجمل التاريخات إلى سنة خمس وعشرين ومائتين من سني الهجرة، فبلغت أربعة آلاف وثلاثمائة وإحدى وعشرين سنة شمسيّة، ثمّ نظر كم مضى من الطوفان إلى وقته هذا فوجده ثلاثة آلاف وتسعمائة وإحدى وأربعين سنة، فألقاها من الجملة الأولى، فبقي ثلاثمائة وتسع وتسعون سنة، فعلم أن تلك الصحيفة كتبت قبل الطوفان بهذه المدّة. وقال بعضهم:
حسرت عقول ذوي النّهى الأهرامواستصغرت لعظيمها الأحلام
ملس منبّقة البناء شواهققصرت لغال دونهنّ سهام
لم أدر حين كبا التّفكّر دونهاواستوهمت لعجيبها الأوهام
أقبور أملاك الأعاجم هنّ أمطلّسم رمل كنّ أم أعلام
وزعم بعضهم أن الأهرام بمصر قبور ملوك عظام بها، آثروا أن يتميّزوا بها على سائر الملوك بعد مماتهم، كما تميّزوا عنهم في حياتهم، وأرادوا أن يبقى ذكرهم بسبب ذلك على تطاول الدهور.
وذكر محمّد بن العربي الملقّب بمحيي الدين: ان القوم كانوا على دين التناسخ، فاتّخذوا الأهرام علامة لعلّهم عرفوا مدّة ذهابهم ومجيئهم إلى الدنيا بعلامة ذلك.
ومن الناس من يزعم أن هرمس الأوّل الذي يسمّيه اليونانيّون أخنوخ بن يرد بن مهلائيل بن قينان بن انوش بن شيث بن آدم، ﵇، وهو إدريس، علم بطوفان نوح إمّا بالوحي أو بالاستدلال على ذلك من أحوال الكواكب، فأمر ببناء الأهرام وإيداعها الأموال وصحائف العلوم إشفاقا عليها من الدروس، واحتياطا عليها وحفظا لها.
ومن عجائب مصر أبو الهول. وهو صورة آدمي عظيمة مصنعة، وقد غطى الرمل أكثره. يقال: انّه طلسم للرمل لئلّا يغلب على كورة الجيزة، فإن الرمال هناك كثيرة شماليّة متكاثفة، فإذا انتهت إليها لا تتعدّاه، والمرتفع من الرمل رأسه وكتفاه. وهو عظيم جدّا، وصورته مليحة كأنّ الصانع الآن فرغ منه. وقد ذكر من رأى أن نسرا عشّش في أذنه وهو مصبوغ بالحمرة؛ قال ظافر الإسكندري:
تأمّل بنية الهرمين وانظروبينهما أبو الهول العجيب
كمثل عمارتين على رحيللمحبوبين بينهما رقيب
وماء النّيل تحتهما دموعوصوت الرّيح عندهما نحيب
ولمّا وصل المأمون إلى مصر، نقب أحد الهرمين المحاذيين للفسطاط بعد جهد شديد وعناء طويل، فوجد في داخله مراقي ومهادي هائلة يعسر السلوك فيها، ووجد في أعلاه بيتا مكعبا طول كلّ ضلع منه ثمانية أذرع، وفي وسطه حوضا رخاما مطبقا، فلمّا كشف غطاؤه لم يوجد فيه غير رمّة بالية، فأمر المأمون بالكفّ عن نقب ما سواه. وقال بعضهم: ما سمعت بشيء عظيم فجئته إلّا رأيته دون صفته إلّا الهرمين، فإني لمّا رأيتهما كانت رؤيتهما أعظم من صفتهما.
ومن عجائب مصر حوض لعين ماء منقور في حجر عظيم، يسيل الماء إلى الحوض من تلك العين من جبل بجنب كنيسة، فإذا مسّ ذلك الماء جنب أو حائض انقطع الماء السائل من ساعته، وينتن الماء الذي في الحوض فيعرف الناس سببه، فينزفون الماء الذي في الحوض وينظفونه، فيعود إليه الماء على حالته الأولى.
وقد ذكر أمر هذا الحوض أبو الريحان الخوارزمي في كتابه الآثار الباقية، وان هذا الحوض يسمّى الطاهر.
وبها جبل المقطّم، وهو جبل مشرف على القرافة ممتدّ إلى بلاد الحبشة على شاطئ النيل الشرقي، وعليه مساجد وصوامع، لا نبت فيه ولا ماء غير عين صغيرة تنزّ في دير للنصارى، يقولون انّه معدن الزبرجد، وسأل المقوقس عمرو بن العاص أن يبيعه سفح المقطم بسبعين ألف دينار، فكتب عمرو بن العاص إلى عمر ابن الخطّاب، فكتب إليه: ان استخبره لأيّ شيء بذل ما بذل؟ فقال المقوقس:
إنّنا نجد في كتبنا انّه غراس الجنّة! فقال عمر: غراس الجنّة لا نجد إلّا للمؤمنين.
فأمره أن يتّخذه مقبرة؛ قالوا: ان الميت هناك لا يبلى! وبها موتى كثيرون بحالهم ما بلي منهم شيء، وبها قبر روبيل بن يعقوب وقبر إليسع، ﵇.
وبها قبر عمران بن الحصين صاحب رسول اللّه، ﷺ.
ومن عجائبها عين الناطول، وناطول اسم موضع بمصر فيه غار، وفي الغار عين ينبع الماء منها ويتقاطر على الطين فيصير ذلك الطين فأرا؛ قال صاحب تحفة الغرائب: حكى لي رجل أنّه رأى من ذلك الطين قطعة انقلب بعضها فأرا
والبعض الآخر طين بعد.
ومن عجائبها نهر سنجة؛ قال الأديبي: هو نهر عظيم يجري بين حصن المنصور وكيسوم من ديار مصر، لا يتهيّأ خوضه لأن قراره رمل سيال، إذا وطئه واطئ غاص به، وعلى هذا النهر قنطرة من عجائب الدنيا، وهي طاق واحد من الشطّ إلى الشطّ، وتشتمل على مائتي خطوة، وهي متّخذة من حجر مهندم طول الحجر عشرة أذرع في ارتفاع خمسة أذرع، وحكي ان عندهم طلسما على لوح إذا عاب من القنطرة موضع أدلى ذلك اللوح على موضع العيب، فينعزل عنه الماء حتى يصلح ثمّ يرفع اللّوح فيعود الماء إلى حاله.
ومن عجائبها جبل الطير. وهو بصعيد مصر في شرقي النيل قرب انصنا، وإنّما سمّي بذلك لأن صنفا من الطير الأبيض يقال له البوقير يأتي في كلّ عام في وقت معلوم، فتعكّف على هذا الجبل، وفيه كوّة يأتي كلّ واحد من هذه الطيور ويدخل رأسه في تلك الكوة، ثمّ يخرجه ويلقي نفسه في النيل فيعوم، ويذهب من حيث شاء إلى أن يدخل واحد رأسه فيقبض عليه شيء في تلك الكوّة، فيضطرب ويبقى معلّقا منها إلى أن يتلف، فيسقط بعد مدّة. فإذا كان ذلك انصرف الباقي لوقته فلا يرى شيء من هذا الطير في هذا الجبل إلى مثل ذلك الوقت من العام القابل. وذكر بعض أعيان مصر: ان السنة إذا كانت مخصبة قبضت الكوّة على طائرين، وإن كانت متوسطة على واحد، وإن كانت مجدبة لم تقبض شيئا.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع
