من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
بابل
صور حديثة على وصف القزويني؛ في صفحة كل منها وصفه كاملًا.
اسم قرية كانت على شاطئ نهر من أنهار الفرات بأرض العراق في قديم الزمان، والآن ينقل الناس آجرّها. بها جبّ يعرف بجبّ دانيال، ﵇، يقصده اليهود والنصارى في أوقات من السنة وأعياد لهم. ذهب أكثر الناس إلى أنّها هي بئر هاروت وماروت، ومنهم من ذهب إلى أن بابل أرض العراق كلّها.
ومن عجائبها ما ذكر أن عمر بن الخطّاب سأل دهقان الفلوجة عن عجائب بلادهم فقال: عجائب بابل كثيرة، لكن أعجبها أمر المدن السبع، كانت في كلّ مدينة أعجوبة. أمّا المدينة الأولى فكان الملك ينزلها وفيها بيت، في ذلك البيت صورة الأرض بقراها ورساتيقها وأنهارها، فمتى امتنع أهل بلدة من حمل الخراج خرق أنهارهم في تلك الصورة وغرق زروعهم، فحدث بأهل تلك البلدة مثل ذلك حتى رجعوا عن الامتناع، فيسدّ أنهارهم في الصورة فينسدّ في بلدهم.
والمدينة الثانية كان فيها حوض عظيم، فإذا جمع الملك قومه حمل كلّ واحد معه شرابا يشربه عند الملك وصبّه في ذلك الحوض، فإذا جلسوا للشرب شرب كلّ واحد منهم شرابه الذي كان معه وحمل من منزله.
والمدينة الثالثة كان على بابها طبل معلّق، فإذا غاب إنسان من أهل تلك المدينة والتبس أمره ولم يعلم حيّ هو أم ميت، دقّوا ذلك الطبل على اسمه، فإن كان حيّا ارتفع صوته، وإن كان ميتا لم يسمع منه صوت البتّة.
والمدينة الرابعة كان فيها مرآة من حديد، فإذا غاب رجل عن أهله وأرادوا أن يعرفوا حاله التي هو فيها، أتوا تلك المرآة على اسمه ونظروا فيها فرأوه على الحالة التي هو فيها.
والمدينة الخامسة كان على بابها عمود من نحاس وعلى رأسه اوزّة من نحاس، فإذا دخلها جاسوس صاحت صيحة سمعها كلّ أهل المدينة، فعلموا أن جاسوسا دخل عليهم.
والمدينة السادسة كان بها قاضيان جالسان على طرف ماء، فإذا تقدّم إليهما خصمان قرآ شيئا وتفلا على رجليهما وأمراهما بالعبور على الماء، فغاص المبطل في الماء دون المحقّ.
والمدينة السابعة كانت بها شجرة كثيرة الأغصان، فإن جلس تحتها واحد أظلّته إلى ألف نفس، فإن زاد على الألف واحد صاروا كلّهم في الشمس.
وروي عن الأعمش أن مجاهدا كان يحبّ أن يسمع من الأعاجيب، ولم يسمع بشيء من الأعاجيب منها إلّا صار إليه وعاينه. فقدم أرض بابل فلقيه الحجّاج وسأله عن سبب قدومه، فقال: حاجة إلى رأس الجالوت! فأرسله إليه وأمره بقضاء حاجته، فقال له رأس الجالوت: ما حاجتك؟ قال: أن تريني هاروت وماروت! فقال لبعض اليهود: اذهب بهذا وأدخله إلى هاروت وماروت لينظر إليهما. فانطلق به حتى أتى موضعا ورفع صخرة، فإذا شبه سرب، فقال له اليهودي: انزل وانظر إليهما ولا تذكر اللّه! فنزل مجاهد معه فلم يزل يمشي به اليهودي حتى نظر إليهما، فرآهما مثل الجبلين العظيمين منكوسين على رأسيهما وعليهما الحديد من أعقابهما إلى ركبهما مصفّدين، فلمّا رآهما مجاهد لم يملك نفسه فذكر اللّه، فاضطربا اضطرابا شديدا حتى كادا يقطعان ما عليهما من
الحديد، فخرّ اليهودي ومجاهد على وجههما، فلمّا سكنا رفع اليهودي رأسه وقال لمجاهد: أما قلت لك لا تفعل ذلك فكدنا نهلك! فتعلّق مجاهد به ولم يزل يصعد به حتى خرجا.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع
