من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
بغشور
مدينة بين هراة ومرو الروذ، ينسب إليها سيّد الابدال أبو الحسين الثوري.
كان يسكن الخراب ولا يدخل المدينة إلّا يوم الجمعة، فإذا أراد الجنيد زيارته أخذ معه شيئا من الطعام ويدور في الخراب إلى أن يجده. فإذا وجده ألحّ عليه ليأكل معه ويقول له: إلى كم تسيح؟ فيجيبه: إلى حصول المقصود وهيهات من ذلك!
وحكي أن الجنيد بعث إليه شيئا من الذهب، قطعتان كانتا من الجنيد والباقي كان من غيره. فلمّا وصل إليه أخذ قطعتي الجنيد وردّ الباقي.
وحكى عن نفسه قال: كان في نفسي شيء من الكرامات فأردت تجربته، فرأيت الصبيان معهم قصبة في رأسها خيط يصطادون بها السمك، فأخذت قصبة ووقفت بين زوقين فقلت: وعزّتك إن لم تخرج لي سمكة فيها ثلاثة أرطال لأغرقنّ نفسي! فخرجت سمكة فيها ثلاثة أرطال.
وحكي أنّه وقع ببغداد حريق فوقف تاجر على طرف الحريق يقول: من أخرج هذين الغلامين له ألف دينار! فقالوا: من يجسر أن يقرب إلى هذه النار؟ حتى حضر أبو الحسين الثوري وقال: بسم اللّه الرحمن الرحيم! وأخرج الغلامين لم يتأذّ شعرة منهما. فقيل له: كيف دخلت هذه النار؟ قال: سنّ اللّه انّه لم يحرق الغلامين، وهما غير مذنبين. وحكي أنّه سمع قائلا يقول:
ما زلت أنزل من ودادك منزلاتتحيّر الألباب عند نزوله
فاشتدّ به الوجد فلم يزل يعدو في أجمة قصب قطعت رؤوسها حتى تقطعت قدمه ومات، عليه رحمة اللّه.
وحكي أن أبا الحسين أحمد بن محمّد الثوري دخل يوما الماء ليغتسل، فجاء لصّ وأخذ ثيابه، فلمّا خرج لم يجد ثيابه، فرجع إلى الماء فما كان إلّا قليل
وجاء اللصّ ومعه ثياب أبي الحسين، وقد جفّت يده اليمنى، فخرج أبو الحسين من الماء ولبس ثيابه ثمّ قال: يا سيّدي، ردّ عليّ ثيابي، ردّ عليه يده! فردّ اللّه عليه يده.
وحكي أن الثوري مرض فجاء الجنيد إليه لعيادته بشيء من الدراهم فردّها، ومرض الجنيد فذهب إليه الثوري ووضع يده على جبهته فعوفي من ساعته، وقال للجنيد: إذا عدت إخوانك فأوفهم مثل هذا البرّ! توفي الثوري سنة خمس وتسعين ومائتين، رحمة اللّه عليه.
وينسب إليها الإمام العالم البارع الورع محيي السنّة أبو محمّد الحسين بن مسعود الفراء البغوي. كان عديم النظير في علم التفسير وأحاديث رسول اللّه، ﷺ، ومعرفة الصحابة وأسامي الرواة وعلم الفقه والأدب، وتصانيفه في غاية الحسن والصحة واعتماد أهل الحديث والفقه على تصانيفه، وسمّوه محيي السنّة. كان معاصرا للإمام حجّة الإسلام أبي حامد الغزّالي، والإمام فخر الإسلام أبي المحاسن الروياني، رحمة اللّه عليهم أجمعين.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع