تجاوز إلى المحتوى

من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

تبريز

مدينة حصينة ذات أسوار محكمة. وهي الآن قصبة بلاد آذربيجان. بها عدّة أنهر والبساتين محيطة بها. زعم المنجّمون أنّها لا تصيبها من الترك آفة لأن طالعها عقرب والمريخ صاحبها، فكان الأمر إلى الآن كما قالوا، ما سلم من بلاد آذربيجان مدينة من الترك غير تبريز.

وهي مدينة آهلة كثيرة الخيرات والأموال والصناعات، وبقربها حمّامات كثيرة عجيبة النفع يقصدها المرضى والزمنى ينتفعون بها. وتحمل منها الثياب العتّابي والسقلاطون والأطلس والنسج إلى الآفاق. ونقودها ونقود أكثر بلاد آذربيجان الصفر المضروب فلوسا. وقطاع الطنجير والهاون والمنارة إذا أرادوا

المعاملة عليها اشتروا بها المتاع، فما فضل أخذوا به قطعة صغيرة.

ينسب إليها أبو زكرياء التبريزي. كان أديبا فاضلا كثير التصانيف.

فلمّا بنى نظام الملك المدرسة النظاميّة ببغداد، جعلوا أبا زكرياء خازن خزانة الكتب. فلمّا وصل نظام الملك إلى بغداد دخل المدرسة ليتفرّج عليها، وفي خدمته أعيان جميع البلاد ووجوهها، فقعد في المدرسة في محفل عظيم والشعراء يقومون ينشدون مدائحه والدعاة يدعون له. فقام رجل ودعا لنظام الملك وقال: هذا خير عظيم قد تمّ على يدك! ما سبقك بها أحد، وكلّ ما فيها حسن إلّا شيئا واحدا، وهو أن أبا زكرياء التبريزي خازن خزانة الكتب، وانّه رجل به ابنة يدعو الصبيان إلى نفسه! فانكسر أبو زكرياء انكسارا شديدا في ذلك المحفل العظيم. فلمّا قام نظام الملك قال لناظر المدرسة: كم معيشة أبي زكرياء؟ قال:

عشرة دنانير! قال: اجعلها خمسة عشر ان كان كما يقول لا تكفيه عشرة دنانير! فانكسر أبو زكرياء من فضيحة ذلك المتعدّي وكفاه ذلك كفارة لجميع ذنوبه، ومن ذلك اليوم ما حضر شيئا من المحافل والمجامع حياء وخجالة.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الإقليم الرابع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.