من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
زنجان
مدينة مشهورة بأرض الجبال بين أبهر وخلخال، جادّة الروم وخراسان والشام والعراق، لا تزال الحرامية كامنة حواليها. والبلدة في غاية الطيب، وأهلها أحسن الناس صورة وظرافة وبذلة.
وفي جبالها معادن الحديد ويحمل منها إلى البلاد، وإذا وقع عندهم جدب لا يبيعون الخبز إلّا مع الحديد، فمن أراد شري الخبز يزن ثمن الخبز والمسامير.
وحكي انّه وصل إليها قفل آخر النهار فقال بعضهم لبعض: المصلحة أن لا نبيت هاهنا ونرحل، حتى إذا كان الغد بعدنا عن هذه الأرض. فدخلوا المدينة حتى يشتروا شيئا من الخبز، فما وجدوا الخبز إلّا عند خبّاز واحد، وكان عنده
برذعة فقال: لست أبيع الخبز إلّا مع البرذعة! وكلّ واحد يؤدي ثمن الخبز وثمن البرذعة، يأخذ الخبز ويترك البرذعة، حتى جاء رجل ظريف، قال الخبّاز:
هات ثمن البرذعة! فقال الرجل: حاجتي إلى البرذعة أمسّ من حاجتي إلى الخبز، وأدّى ثمنها وأخذها من عند الخبّاز وأحرقها.
وحكي أن رجلا طوالا أراد شري البطيخ فأخذ يستامه وقال للبائع: انّها صغار! فقال البائع: من الموضع الذي تنظر يرى الجمل عصفورا وانّها ليست بصغار.
وحكي أن رجلا من أوساط الناس حلف بأبيه فقال بعض الحاضرين:
وهل كان لك أب؟ فقال: وهل يكون الإنسان بلا أب؟ قال: ما كان أبا يذكر في المحافل!
ومن عجائبها ما ذكره أبو الريحان الخوارزمي عن أبي الفرج الزنجاني: أنه لا يرى بزنجان عقرب إلّا في موضع يسمّى مقبرة الطير، فإن أخرجت منها عادت إليها سريعا، وما ذاك إلّا لطيب تربتها ولطافة هوائها.
وبها جبل بزاو؛ قالوا: انّه من أنزه المواضع وأطيبها، وليس على وجه الأرض موضع أرقّ منه هواء ولا أعذب ماء ولا أطيب رائحة، نباته الرياحين فراسخ في فراسخ تفوح روائحها من بعد بعيد، فإذا كان فصل الربيع يرى أديمه مثل الديباج المنقش من ألوان الرياحين.
ينسب إليها جلال الطبيب. كان طبيبا عديم النظير في الآفاق، كان في خدمة ازبك بن محمّد بن ايلدكز، صاحب آذربيجان وأرّان، لا يفارقه، يقول: ان حياتي محفوظة بهذا الرجل! وكان آية في المعالجات، ما كان يمشي إلى المريض بل يستخبر عنه ويأمر بدواء حقير، ويكون البرء حاصلا. كان وجوده فائدة عظيمة للناس، ما وجد مثله بعده.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع