من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
قمّ
صور حديثة على وصف القزويني؛ في صفحة كل منها وصفه كاملًا.
مدينة بأرض الجبال بين ساوة وأصفهان، وهي كبيرة طيّبة خصبة مصّرت في زمن الحجّاج بن يوسف سنة ثلاث وثمانين. أهلها شيعة غالية جدّا والآن أكثرها خراب. ومياههم من الآبار أكثرها ملح، فإذا أرادوا حفرها وسعوا في حفرها وبنوا من قعرها بالأحجار إلى شفيرها، فإذا جاء الشتاء أجروا ماء واديهم ومياه الأمطار إليها، فإذا استقوه بالصيف كان عذبا طيّبا.
وبها بساتين كثيرة على السواقي، وفيها الفستق والبندق. بها ملّاحة طلسمها بليناس في صخرة ليدوم جريان مائها، ولا ينقطع ما لم يخطر عليه، وماء هذه العين ينعقد ملحا ويأخذه كلّ مجتاز.
أخبرني بعض الفقهاء أن بقرب قم معدن ملح، من أخذ منه الملح ولم يترك هناك ثمنه يعرج حماره الذي حمل عليه ذلك الملح. وبها معدن الذهب والفضّة أخفوه عن الناس حتى لا يشتغلوا به ويتركوا الزراعة والفلاحة. وبها طلسم لدفع الحيّات والعقارب، وكان أهل قم يلقون منها ضررا عظيما فانحازت إلى جبل هناك، فإلى الآن لا يقدر أحد أن يجتاز بذلك الجبل من كثرة الحيّات والعقارب.
من عجائبها أن العود لا يكون له في هواء قم أثر كثير، ولو كان من أذكى العود. وبها واد كثير الفهود. وحكي أنّه أتاهم في بعض الأوقات وال سنّي وقال لهم: بلغني أنّكم لشدّة بغضكم صحابة رسول اللّه، ﷺ، لا تسمّون أولادكم بأسمائهم، فإن لم تأتوني منكم بمن اسمه عمر أو كنيته أبو بكر لأفعلن بكم! فداروا في جميع المدينة وفتّشوا، ثمّ أتوا بواحد أحول أقرع كريه اللقاء معوج الأعضاء، وكان أبوه غريبا ساكن قم، فكنّاه أبا بكر. فلمّا رآه الوالي غضب وشتمهم وقال: إنّكم إنّما كنيتموه بأبي بكر لأنّه أسمج خلق اللّه منظرا! وهذا دليل على بغضكم لصحابة رسول اللّه. فقال بعض الظرفاء منهم: أيّها الأمير، اصنع ما شئت فإن تربة قم وهواءها لا يأتي بصورة أبي بكر أحسن من هذا! فضحك الوالي وعفا عنهم. ولقاضيها قال الصاحب ابن عبّاد:
أيّها القاضي بقمقد عزلناك فقم
وكان القاضي يقول: أنا معزول السجع!
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع
