تجاوز إلى المحتوى

من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

كرخ

قرية فوق بغداد على ميل منها. أهلها شيعة غالية ويهود. وبها دكاكين الكاغد والثياب الابريسمية.

ينسب إليها أبو محفوظ معروف بن فيروز الكرخي. وكان من المشايخ الكبار مستجاب الدعوة، من موالي عليّ بن موسى الرضا. كان أستاذ السري السقطي، فقال له يوما: إذا كان لك إلى اللّه حاجة فأقسم عليه بي! وأهل بغداد يقولون:

قبر معروف ترياق مجرّب.

حكي أن زبيدة بنت جعفر عبرت على معروف مع مواليها وخدمها، فدعا عليها بعض الحاضرين، فقال له معروف: يا رجل كن عون رسول الرحمن، ولا تكن عون رسول الشيطان، إن رسول الرحمن يريد نجاة الخلق كلّهم.

قال اللّه تعالى: وما أرسلناك إلّا رحمة للعالمين. ورسول الشيطان يريد هلاك الخلق كلّهم. قال اللّه تعالى مخبرا عنه: بعزّتك لأغوينهم أجميعن! إن الذي أعطاهم الدنيا على هواهم قادر أن يعطيهم الآخرة على مناهم.

وحكى إبراهيم الأطروش انّه قال لمعروف: أبا محفوظ، بلغني أنّك تمشي على الماء! فقال: ما مشيت على الماء، ولكن إذا هممت بالعبور يجمع لي طرفها.

وحكى خليل الصيّاد قال: غاب ابني إلى الأنبار فوجدت أمّه وجدا شديدا، فذكرت ذلك لمعروف فقال: ما تريد؟ قلت: أن تدعو اللّه ليردّه علينا. فقال: اللهمّ إن السماء سماؤك والأرض أرضك وما بينهما لك فأت به! قال خليل: أتيت باب الشام فإذا ابني قائم منبهر يقول: الساعة كنت بالأنبار.

وحكى محمّد بن صبيح انّه مرّ بمعروف رجل سقّاء ينادي: رحم اللّه من شرب! فشرب منه وكان صائما وقال: لعلّ اللّه أن يستجيب منه.

وحكى عبد اللّه بن سعيد الأنصاري أنّه رأى معروفا في النوم واقفا تحت العرش فيقول اللّه لملائكته: من هذا؟ فقالت الملائكة: أنت أعلم يا ربّنا،

هذا معروف الكرخي قد سكر من حبّك لا يفيق إلّا بلقائك!

وحكى أحمد بن أبي الفتح قال: رأيت بشرا الحافي في المنام قاعدا في بستان وبين يديه مائدة يأكل منها، فقلت: أبا نصر ما فعل اللّه بك؟ فقال: رحمي وغفر لي وأباحني الجنّة بأسرها وقال: كل من ثمرها، واشرب من أنهارها، وتمتّع بجميع ما فيها لما كنت تحرم نفسك شهوات الدنيا! قلت: أين أحمد بن حنبل؟ قال: قائم على باب الجنّة يشفع لأهل السنّة ممّن يقول القرآن كلام اللّه غير مخلوق! قلت: وما فعل معروف الكرخي؟ فحرّك رأسه وقال: هيهات! حالت بيننا وبينه الحجب، إن معروفا ما كان يعبد اللّه شوقا إلى جنّته ولا خوفا من ناره، وإنّما عبده شوقا إليه، فرفعه اللّه إلى الرفيع الأعلى، ووقعت الحجب بيننا وبينه، ذاك الترياق المقدس المجرّب، فمن كانت له إلى اللّه حاجة فليأت قبره وليدع، فإنّه يستجاب له.

وحكي انّه قال: إذا متّ تصدّقوا بقميصي فإني أحبّ أن أخرج من الدنيا عريانا كما دخلتها. توفي سنة إحدى ومائتين.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الإقليم الرابع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.