تجاوز إلى المحتوى

من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

المدائن

صور حديثة على وصف القزويني؛ في صفحة كل منها وصفه كاملًا.

كانت سبع مدن من بناء الأكاسرة على طرف دجلة، وقيل: إنّها من بناء كسرى الخير أنوشروان. سكنها هو وملوك بني ساسان بعده إلى زمن عمر بن الخطّاب، ﵁. وإنّما اختار هذا الموضع للطافة هوائه وطيب تربته وعذوبة مائه؛ قال حمزة: هذا الموضع سمته العرب مدائن لأنّها كانت سبع مدن، بين كلّ واحدة والأخرى مسافة، وآثارها إلى الآن باقية وهي: اسفابور، به اردشير، هنبو سابور، دوزبندان، به از انديو خسرو، نونياباذ، كردافاذ.

فلمّا ملك العرب ديار الفرس واختطّت الكوفة والبصرة انتقل الناس إليهما، ثمّ اختطّ الحجّاج واسطا وكانت دار الامارة فانتقل الناس إليها، فلمّا اختطّ المنصور بغداد انتقل أكثر الناس إليها. فأمّا في وقتنا هذا فالمسمّى بالمدائن بليدة شبيهة بقرية في الجانب الغربي من دجلة. أهلها فلّاحون شيعة إماميّة. ومن عادتهم أن نساءهم لا يخرجن نهارا أصلا.

وبها مشهد رفيع البناء لأحد العلويّين، وفي الجانب الشرقي منها مشهد سلمان الفارسي، ﵁، وله موسم في منتصف شعبان، ومشهد حذيفة ابن اليمان مشير رسول اللّه، ﷺ.

وكان للأكاسرة هناك قصر اسمه أبيض، كان باقيا إلى زمن المكتفي في حدود سنة تسعين ومائتين، فأمر بنقضه وبنائه التاج الذي بدار الخلافة ببغداد، وتركوا منه الإيوان المعروف بإيوان كسرى. ذكر أنّه من بناء أنوشروان كسرى

الخير، وانه تعاون على بنائه الملوك وهو من أعظم الأبنية وأعلاها، والآن قد بقي منه طاق الإيوان وجناحات وازجة قد بنيت بآجرّ طوال عراض.

وحكي أن أنوشروان لمّا أراد بناء هذا القصر أمر بشري ما حوله، وأرغب الناس في الثمن الوافر، ومن جملتهم عجوز لها بيت صغير قالت: لست أبيع جوار الملك بالدنيا كلّها! فاستحسن أنوشروان منها هذا القول وأمر بترك ذلك البيت على حاله، وإحكام عمارته، وبناء الإيوان محيطا به. وإني رأيت الإيوان، وفي جانب منه قبّة محكمة العمارة، يعرفها أهل الناحية بقبّة العجوز. وكان على الإيوان نقوش وصور بالتزاويق، وصورة مدينة أنطاكية وأنوشروان يحاصرها ويحارب أهلها راكبا على فرس أصفر، وعليه ثياب خضر وبين يديه صفوف الفرس والروم، وكانت هذه النقوش على الإيوان باقية إلى زمان أبي عبادة البحتري، فإنّه شاهدها وذكرها في قصيدته السينية:

حضرت رحلي الهموم فوجّهت إلى أبيض المدائن عنسي
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
أتسلّى عن الخطوب وآسىلمحلّ من آل ساسان درس
حلل لم تكن كأطلال سعدىفي قفار من البسابس ملس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صُنْتُ نَفْسِي عَمّا يُدَنّس نفسي»
لو تراه علمت أنّ اللّياليجعلت فيه مأتما بعد عرس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
فإذا ما رأيت صورة أنطاكيّة ارتعت بين روم وفرس
والمنايا مواثل وأنوشروان يزجي الصّفوف تحت الدّرفس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
في اخضرار من اللّباس على اصفر يختال في صبيغة ورس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
وعراك الرّجال بين يديهفي خفوت منهم وإغماض جرس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
من مشيح يهوي بعامل رمحومليح من السّنان بترس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
تصف العين أنّهم جدّ أحياءلهم بينهم إشارة خرس
وكأنّ الإيوان من عجب الصّنعة جوب في جنب أرعن جلس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
لم يعبه أن بزّ من بسط الدّيباج واستلّ من ستور الدّمقس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صُنْتُ نَفْسِي عَمّا يُدَنّس نفسي»
مشمخرّ تعلو له شرفاترفعت من رؤوس رضوى وقدس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»

وحكي أن غلمان الدار شكوا إلى أنوشروان وقالوا: إن العجوز تدخن في بيتها، ودخانها يفسد نقوش الإيوان! فقال: كلّما أفسدت أصلحوها ولا تمنعوها من التدخين!

وكان للعجوز بقرة تأتيها آخر النهار لتحلبها، فإذا وصلت إلى الإيوان طووا فرشه لتمشي البقرة إلى باب قبّة العجوز، فإذا فرغت من حلبها رجعت البقرة وسوّوا البساط. وكان هذا مذهبهم في العدل والرفق بالرعايا، ولولا مخالفة النبوة التي شرفها اللّه تعالى وشرف بها عباده، كانت معدلتهم تقتضي دوام دولتهم.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الإقليم الرابع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.