من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
بخارى
مدينة عظيمة مشهورة بما وراء النهر قديمة طيّبة. قال صاحب كتاب الصور:
لم أر ولا بلغني أن في جميع بلاد الإسلام مدينة أحسن خارجا من بخارى.
بينها وبين سمرقند سبعة أيّام وسبعة وثلاثون فرسخا، هي بلاد الصغد، أحد متنزّهات الدنيا. ويحيط ببناء المدينة والقصور والبساتين والقرى المتّصلة بها سور يكون اثني عشر فرسخا في مثلها، بجميع الأبنية والقصور والقرى والقصبة فلا يرى في خلال ذلك قفار ولا خراب، ومن دون ذلك السور على خاص القصبة، وما يتّصل بها من القصور والمحالّ والبساتين التي تعدّ من القصبة، ويسكنها أهل القصبة شتاء وصيفا، سور آخر نحو فرسخ في مثله، ولها مدينة داخل هذا السور يحيط بها سور حصين.
روى حذيفة بن اليمان عن رسول اللّه، ﷺ: ستفتح مدينة خلف نهر يقال له جيحون، يقال لها بخارى، محفوفة بالرحمة ملفوفة بالملائكة، منصور أهلها، النائم فيها على الفراش كالشاهر سيفه في سبيل اللّه.
وخلفها مدينة يقال لها سمرقند، فيها عين من عيون الجنّة، وقبر من قبور الأنبياء، وروضة من رياض الجنّة، يحشر موتاها يوم القيامة مع الشهداء.
وفي الحديث: أن جبريل، ﵇، ذكر مدينة يقال لها فاخرة وهي بخارى، فقال، ﷺ: لم سمّيت فاخرة؟ فقال: لأنّها تفخر يوم القيامة على المدن بكثرة شهدائها. ثمّ قال: اللهم بارك في فاخرة وطهّر قلوبهم بالتقوى، واجعلهم رحماء على أمّتي! فلهذا يقال: ليس على وجه الأرض أرحم للغرباء منهم.
ولم تزل بخارى مجمع الفقهاء ومعدن الفضلاء ومنشأ علوم النظر. وكانت الرئاسة في بيت مبارك يقال لرئيسها خواجة إمام أجلّ. وإلى الآن نسلهم باق ونسبهم ينتهي إلى عمر بن عبد العزيز بن مروان، وتوارثوا تربية العلم والعلماء كابرا عن كابر، يرتبون وظيفة أربعة آلاف فقيه، ولم تر مدينة كان أهلها أشدّ احتراما لأهل العلم من بخارى.
ينسب إليها الشيخ الإمام قدوة المشايخ محمّد بن إسماعيل البخاري صاحب الصحيح الذي هو أقدم كتب الأحاديث. كان وحيد عصره وفريد دهره.
حكي انّه لمّا جمع هذا الكتاب بحسنه وصحّته أراد أن يسمع منه أحد حتى يروي عنه بعد موته، فما كان أحد يوافقه أن يسمع منه ذلك، حتى ذهب إلى شخص يعمل طول نهاره على بقر فقال له: أنا أقرأ هذا الكتاب وأنت تسمعه مني فلعلّه ينفعك بعد ذلك! وكان الشيخ يقرأ كتاب الصحيح والبقر يعمل والفربري يسمع منه حتى أسمعه جميع الكتاب. فلهذا ترى كلّ من يروي صحيح البخاري تكون روايته عن الفربري.
وينسب إليها أبو خالد يزيد بن هارون. كان أصله من بخارى ومقامه بواسط العراق. حكى عاصم بن عليّ أن يزيد بن هارون كان إذا صلّى العشاء لا يزال قائما حتى يصلّي الغداة بذلك الوضوء، وداوم على ذلك نيفا وأربعين سنة. وحكى أبو نافع ابن بنت يزيد بن هارون قال: كنت عند أحمد بن حنبل، وكان عنده رجل قال: رأيت يزيد بن هارون فقلت: يا أبا خالد ما فعل اللّه بك؟ قال: غفر لي وشفعني وعاتبني! فقلت له: فيم عاتبك؟ قال: قال لي يا يزيد أتحدث عن جرير بن عثمان؟ فقلت: يا ربّ ما علمت منه إلّا خيرا! فقال:
إنّه كان يبغض أبا الحسن عليّ بن أبي طالب، ﵁.
وحكى آخر قال: رأيت ابن هارون في المنام فقلت له: هل أتاك منكر ونكير؟ قال: إي واللّه! وسألاني: من ربّك وما دينك ومن نبيّك؟ فقلت: ألمثلي يقال هذا وأنا يزيد بن هارون اعلّم الناس هذا سبعين سنة؟ فقال: صدقت، نم نومة العروس! توفي يزيد بن هارون بواسط سنة ستّ ومائتين عن سبع وثمانين سنة.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع