تجاوز إلى المحتوى

من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

الأندلس

جزيرة كبيرة بالمغرب فيها عامر وغامر. طولها دون الشهر في عرض نيف وعشرين مرحلة، ودورها أكثر من ثلاثة أشهر. ليس فيها ما يتّصل بالبرّ إلّا مسيرة يومين، والحاجز بين بلاد الأندلس وافرنجة جبل.

قال أحمد بن عمر العذري صاحب المسالك والممالك الأندلسيّة: إن الأندلس وقعت متوسّطة بين الأرض كما هي متوسّطة بين الأقاليم، فبعضها في الإقليم الرابع، وبعضها في الإقليم الخامس. وبها مدن كثيرة وقرى وأنهار وأشجار، وبها الرخص والسعة.

وبها معادن الذهب والفضّة والرصاص والحديد في كلّ ناحية، ومعدن الزئبق والكبريت الأحمر والأصفر والزنجفر الجيد والتوتيا، والشبوب على أجناسها والكحل المشبه بالأصفهاني. وبها من الأحجار الياقوت والبلور والجزع واللازورد والمغناطيس والشادنج، والحجر الذي يقطع الدم والحجر اليهودي والمرقشيثا وحجر الطلق. وبها أصناف الرياحين حتى سنبل الطيب والقسط والاشقاقل، وبها الانبرباريس والعود.

حكى العذري أن بعض الولاة ولّى ناحية بشرة فشمّ رائحة العود، فوجدوا من دار رجل ضعيف ووجدوا عنده عودا كثيرا يتّقد به، فرأوه فإذا هو ذكي من عود الهند، فسئل عن موضع احتطابه فحملهم إلى جبل من جبال وفر، فحفروا وأخرجوا بقيّته واشتهر بين الناس.

وأهل الأندلس زهاد وعبّاد والغالب عليهم علم الحديث، ويقع في بلاد الأندلس من الخدم والجواري المثمنات على غير صناعة بل على حسنهم بألف دينار. ولأهلها إتقان في جميع ما يصنعونه إلّا أنّ الغالب عليهم سوء الخلق.

ومن عجائب الدنيا أمران: أحدهما المملكة الإسلاميّة بالأندلس مع إحاطة الفرنج من جميع الجوانب والبحر بينهما وبين المدد من المسلمين، والآخر المملكة

النصرانيّة بساحل الشام مع إحاطة المسلمين من جميع الجوانب والبحر بينهما وبين المدد من الإفرنج.

قال العذري في وصف الأندلس: إنّها شامية في طيبها وهوائها، يمانية في اعتدالها واستوائها، هندية في أفاويهها وذكائها، اهوازية في عظم اجتنائها، صنفية في جواهرها، عدنيّة في سواحلها.

بها آثار عجيبة وخواصّ غريبة تذكر في مواضعها.

وبها البحر الأسود الذي يقال له بحر الظلمات، محيط بغربي الأندلس وشماليه، وفي آخر الأندلس مجمع البحرين الذي ذكره اللّه في القرآن. وعرض مجمع البحرين ثلاثة فراسخ، وطوله خمسة وعشرون فرسخا، وفيه يظهر المدّ والجزر، في كلّ يوم وليلة مدّان وجزران، وذلك ان البحر الأسود عند طلوع الشمس يعلو ويفيض في مجمع البحرين، ويدخل في بحر الروم، وهو قبلي الأندلس وشرقيها، ولونها أخضر ولون البحر أسود كالبحر. وإذا أخذته في الإناء لا ترى فيه السواد، فلا يزال البحر الأسود يصبّ في البحر الأخضر إلى الزوال، فإذا زالت الشمس عاد الأمر معكوسا فيصبّ البحر الأخضر في البحر الأسود إلى مغيب الشمس، ثمّ يعلو البحر الأسود ويفيض في البحر الأخضر إلى نصف الليل، ثمّ ينعكس الأمر فيعلو البحر الأخضر ويصبّ في البحر الأسود إلى طلوع الشمس، وهكذا على التواتر، ذلك تقدير العزيز العليم؛ وسئل رسول اللّه، ﷺ، عن ذلك فقال: ملك على قاموس البحر إذا وضع رجله فيه فاض وإذا رفعها غاض.

وبها جبل فيه غار لا يرى أحد فيه النار، وإذا أخذت فتيلة مدهونة وشدّت على رأس خشبة طويلة وأدخلت الغار، اشتعلت الفتيلة وتخرج مشتعلة.

وبها جبل بقرب الجبل الذي سبق ذكره، ترى على قلّته النار مشتعلة بالليل، وبالنهار يصعد منه دخان عظيم.

وبها جبل عليه عينان بينهما مقدار شبرين، ينبع من إحداهما ماء حارّ ومن

الأخرى ماء بارد. ذكرهما صاحب تحفة الغرائب وقال: أمّا الحار فلو رميت فيه اللحم ينطبخ، وأمّا البارد فيصعب شربه لغاية برودته.

وبها جبل شلير لا يفارقه الثلج صيفا ولا شتاء، وهو يرى من أكثر بلاد الأندلس لارتفاعه وشموخه، وفيه أصناف الفواكه من التفّاح والعنب والتوت والجوز والبندق وغير ذلك، والبرد به شديد جدّا؛ قال بعض المغاربة وقد اجتاز بشلير فوجد ألم البرد:

يحلّ لنا ترك الصّلاة بأرضكموشرب الحميّا وهي شيء محرّم
للشاعر ابن سارة الأندلسي، اقرأ القصيدة
فرارا إلى نار الجحيم، فإنّهاأخفّ علينا من شلير وأرحم!
للشاعر ابن سارة الأندلسي، اقرأ القصيدة
إذا هبّت الرّيح الشّمال بأرضكمفطوبى لعبد في اللّظى يتنعّم
للشاعر ابن سارة الأندلسي، اقرأ القصيدة
أقول ولا الحي على ما أقولهكما قال قبلي شاعر متقدّم:
فإن كنت يوما في جهنّم مدخليففي مثل ذاك اليوم طاب جهنّم!

وبها جبل الكحل. إنّه بقرب مدينة بسطة؛ قالوا: إذا كان أوّل الشهر أخذ الكحل يخرج من نفس الجبل، وهو كحل أسود لا يزال كذلك إلى نصف الشهر، فإذا زاد على النصف نقص الكحل، ولا يزال الذي خرج يرجع إلى تمام الشهر.

وبها نهر ابره؛ قال أحمد بن عمر العذري صاحب المسالك والممالك الأندلسية:

مخرج هذا النهر من عين يقال لها فونت ايبرهي، ومصبّه في البحر الشامي بناحية طرطوشة، وامتداده مائتا ميل وعشرة أميال، يوجد فيه صنف من السمك عجيب يقال له الترحته لا يوجد في غيره البتّة، وهو سمك أبيض ليس له إلّا شوكة واحدة؛ كلّ ذلك عن العذري صاحب الممالك والمسالك الأندلسيّة.

وبها نهر أنّه. مخرجه من موضع يعرف بفجّ العروس، ثمّ يغيض بحيث لا يبقى له أثر على وجه الأرض، ويحرج بقرية من قرى قلعة رباح يقال لها أنّه، ثمّ يغيض ويجري تحت الأرض، ثمّ يبدو هكذا مرارا في مواضع شتى إلى أن

يغيض بين ماردة وبطليوس، ثمّ يبدو وينصبّ في البحر المحيط. وامتداده ثلاثمائة وعشرون ميلا؛ كلّ ذلك عن العذري.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الإقليم الخامس

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.