من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
أرمينية
ناحية بين آذربيجان والروم، ذات مدن وقلاع وقرى كثيرة. أكثر أهلها نصارى. بها عجائب كثيرة ذكر أكثرها عند مدنها وقراها. والذي نزيده ههنا: بها جبل الحارث والحويرث، لا يقدر أحد على ارتقائهما؛ قالوا: إنّهما مقبرة ملوك أرمينية ومعهم أموالهم وذخائرهم. بليناس الحكيم طلسمها لئلّا يظفر بها أحد.
وحكى ابن الفقيه انّه كان على نهر الرسّ بأرمينية ألف مدينة، فبعث اللّه تعالى إليهم نبيّا اسمه موسى، وليس بموسى بن عمران، فدعاهم إلى اللّه تعالى فكذّبوه وعصوا أمره، فدعا عليهم فحوّل اللّه تعالى الحارث والحويرث من الطائف وأرسلهما عليهم، فيقال إن أهل الرسّ تحت هذين الجبلين.
وبها البحيرة؛ قال مسعر بن مهلهل: هذه البحيرة منتنة قليلة المنافع، عليها قلاع حصينة وجانب من هذه البحيرة يأخذ إلى موضع يقال له وادي الكرد. فيه
طرائف من الأحجار وعليه ممّا يلي سيماس جمّة يقال لها عين زراوند، وهي جمّة شريفة جليلة القدر كثيرة المنفعة، وذلك لأن الإنسان أو الدابة إذا ألقي فيها وبه كلوم وقروح يندمل ويلتحم، وإن كان فيها عظام موهّنة مرضّضة كامنة وشظايا غامضة، تتفجّر أفواهها وينقّيها عن كلّ وسخ ويلحمها. قال مسعر ابن مهلهل: عهدي بمن تولّيت حمله إليها وبه علل من جرب وسلع وقولنج وحزاز، وضربان في الساقين واسترخاء في العصب، وفيه سهم قد نبت اللحم على نصله كنّا نتوقّع موته ساعة فساعة، فأقام بها ثلاثا فخرج النصل من خاصرته وعوفي من بقيّة العلل. قال: ومن شرف هذه الجمّة أن الإنسان إذا شرب منها أمن الخوانيق وأسهل السوداء من غير مشقّة.
وحكى صاحب تحفة الغرائب أن بأرض أرمينية بيت نار، له سطح من الصاروج وميزاب من النحاس، وتحت الميزاب حوض كبير من الرخام، وفي البيت مجاورون كلّما قلّ المطر بتلك الناحية أوقدوا نارهم، وغسلوا سطح البيت بماء نجس حتى ينصبّ من الميزاب إلى الحوض، ثمّ يرشون البيت بذلك الماء النجس، فعند ذلك تستر السماء بالغمام وتمطر حتى يغسل السطح والميزاب والحوض، ويمتلئ من الماء الطاهر.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع